ذكرى 11 سبتمبر بطعم طالبان..

أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 (مواقع التواصل)
أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 (مواقع التواصل)

عشرون عاما على الأحداث ولا تزال المياه تجري تحت الجسر

قبل أيام من الذكرى العشرين لأحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، أعلن البيت الأبيض الأميركي في بيان له عن زيارة للرئيس جو بايدن إلى النصب التذكاري لضحايا هذه الهجمات في نيويورك لإحياء الذكرى مع المواطنين وأهالي ضحايا الحادث، لكن الإعلان تضمن خلفية للقرار الذي أصدره بايدن بمراجعة قرار السرية المفروض من قبل وزارة العدل على التحقيقات التي جرت بالحادث.

ولعل الحديث عن سرية التحقيقات والمستندات والوثائق التي تحويها هذه القضية التي غيرت وجه العالم يكون محور عناوين هذا المقال، لكن المهم أن 20 عاما الماضية غيرت وجه العالم وأعادت تشكيله لا وسط آسيا ولا أفغانستان، فالكل تأثر، دول الجوار وآسيا الوسطى بالكامل والشرق الأدنى بل والعالم أجمع، ولا تزال مياه 11 سبتمبر/أيلول تجري تحت الجسر.

أهم ما أسست له هذه الأحداث هو المصطلح الذي استطاعت به أميركا أن تحشد العالم من أجل "محاربة الإرهاب" الذي لم يعرف له تعريف حتى الآن، وأظنه لن يعرف، لأنه مصطلح تستطيع به أن تضرب خصمك المحتمل، لا الحقيقي، كما أسست لنظرية الضربات الاستباقية، وكله لمحاربة الإرهاب، ومن ثم استخدم المصطلح المطاط لضرب المقاومة، فالكل يفسر كما يرى.

بحسب مشروع تكاليف الحرب التي نشرته جامعة براون، كلفت الحرب العالمية على الإرهاب أميركا في النهاية حوالي 8 تريليونات دولار، يقول الأميركيون إنهم أنفقوها، وتقول الحقائق إن دول الخليج هي من دفع هذه الكلفة العالية لنفقات الحرب، من خلال الدعم المباشر بشراء أذون الخزانة الأميركية أو الدعم غير المباشر بشراء الأسلحة المكدسة الآن في المخازن وتفسد من عدم الاستخدام، بالإضافة إلى نفقات الحماية التي تقاضتها بعد حرب العراق إيجابا ودفعتها دول الخليج أموالا وسيادة ببناء القواعد العسكرية.

أما الإنسان العادي الذي لم يربطه بالسياسة وعالمها رابط، فقد تأثر في حله وترحاله، فأصبحت المطارات غصة يبتلعها من اضطر إلى السفر، وأصبحت التجارة شكلا من أشكال العذاب يمارس على التجار في العالم بعد القيود التي فرضت والأسعار التي زادت ومعدلات التضخم التي أكلت رؤوس الأموال، مما انعكس على المواطن العادي في مطعمه ومشربه، ورغم ذلك تقول أميركا إنها من دفعت كلفة الحرب على ما يسمى الإرهاب وحدها، وتروج روايتها وعلينا أن نصدقها وإلا سنوضع في قائمة الإرهاب.

أسرار لم تعلن رغم مطالبات الشفافية

من أجل تعزيز الشفافية بالولايات المتحدة تطالب عائلات ضحايا 11 سبتمبر/أيلول بالكشف عن الوثائق والمستندات المقدمة في تحقيقات الحادث، وهو ما استجاب له الرئيس الأميركي الحالي وأصدر أمرا تنفيذيا برفع السرية عن بعض الوثائق الحساسة المتعلقة بالهجمات ونشرها في غضون 6 أشهر. وحتى الكشف عن هذه الوثائق، فإن أطرافا عديدة ستخوض حربا دبلوماسية، وستفتح خزائنها لشركات العلاقات العامة، بل واللوبيات، لتخفيف الأضرار التي ستنتج عن الكشف عن تلك الوثائق.

ولعل الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت تتذرع في عدم الكشف عن تلك الوثائق بحماية أسرار الدولة، ولأن المشرع في الولايات المتحدة يفرض رفع السرية عن الوثائق، لكنه ترك للمؤسسة حق تحديد موعد الكشف من 10 سنوات إلى 50 عاما، مع ذلك وضع 9 استثناءات تسمح للمؤسسة الحفاظ على سرية المعلومات والوثائق، وهي الثغرة التي سيستغلها رؤساء الولايات الأميركية، لأنه كما أن هناك دولا ترتجف رعبا من الكشف عن الوثائق، فإن هناك رؤساء يشاركونهم هذا الرعب.

في اعتراف مثير لكولن باول، أكد وزير الخارجية الأميركية السابق لصحيفة ديلي تلغراف البريطانية أنه نادم على اتهاماته الكاذبة للعراق بامتلاك أسلحة دمار شامل، وقال باول إن خطابه بمجلس الأمن مطلع عام 2003 والذي تضمن ما وصفه بأدلة دامغة على امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل سيظل نقطة سوداء في ملفه.

لعل اعتراف باول يؤشر إلى أن الحروب الأخيرة التي خاضتها أميركا في المنطقة بذرائع عدة ربما تكون كلها كاذبة، فلا تزال أحداث 11 سبتمبر/أيلول يكتنفها الحيرة والشكوك، مما لا شك فيه أن الإدارة الأميركية استثمرت في الهجمات لتعزيز تمدد الولايات المتحدة في العالم، وتأكيد فرض سطوتها على القرار الدولي، في فترة كان ينظر لها بعض الشراح أن العالم يعيش زمن القطبية المتعددة.

فأوروبا كانت صاعدة باتحادها، والصين صاعدة باقتصادها، وآسيا لها نمور تحاول أن تخربش في صانعي القرار الدولي ليكون لها مقعد في مجلس إدارة العالم، فأصبح من الضروري أن تتخلص واشنطن من المنافسين وأن تطيح بكل القوى من حولها بعد أن استطاعت إسقاط الاتحاد السوفياتي لتؤكد الأحادية القطبية وتفردها بحكم الكوكب.

لا يستبعد أن أسرار أحداث 11 سبتمبر/أيلول قد تكشف عن كذبة كبيرة اصطنعتها أميركا من أجل إبعاد المنافسين والسيطرة على العالم، ولما كان العالم تحكمه القوة ولا شيء غيرها، فكان لزاما أن تظهر عضلاتها وتبسط سطوتها وتؤكد جدارتها كقوة لا تقهر، فلماذا لا تكون قد افتعلت أحداث 11 سبتمبر/أيلول لصنع عدو جديد بعد سقوط الشيوعية.

كتبت كارين أرمسترونغ قبل 10 سنوات من إطلاق جورج بوش صرخته المدوية تزامنا مع الحرب على أفغانستان "هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب ستأخذ بعض الوقت" فتقول الكاتبة "يبدو أن الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي على وشك أن تستبدل بحرب باردة ضد الإسلام".

وقد صرح السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي عام 1995 بأن الاسلام السياسي لا يقل خطورة على الغرب من الشيوعية، هذه التصريحات تستقي منهجها من فكر صامويل هنتنغتون، صاحب صدام الحضارات، مما يعني أن السر الأكبر لأحداث سبتمبر يكمن في المعلن.

الأميركيون يستذكرون هجمات سبتمبر بطعم طالبان

يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى العشرين لهذه الهجمات بطعم طالبان، بعد الجلاء المذل والمرتبك لقوات بلادهم من أفغانستان، لاسيما بعد تلميحات طلب التمديد الذي قوبل بالرفض من طالبان، وهو ما زاد المشهد مأساوية على الشعب الذي بدأ يتساءل: لماذا ذهبنا ولماذا الآن نرحل بهذا الشكل؟ الذي قُورنَ بالخروج المذل كذلك من فيتنام، ولم يقنع أحد تبرير بايدن بأن أميركا ذهبت لهزيمة "الإرهاب" متمثلا في تنظيم القاعدة، وخرجت بعد أن أدت مهمتها.

لكن الشواهد تؤكد غير ما أعلنه بايدن، وغالبا ما يعلن الساسة غير ما يضمرون، فحديث المعارضة الجمهورية عن كم السلاح الذي ترك أثناء الهروب، والذي تبعه بعض الصور الهزيلة لعدد من الآليات والطائرات المعطوبة بشكل تمثيلي، والضربات الجوية التي جاءت على استحياء لمواقع لم يتضرر منها كثير من مخازن السلاح الأميركي، في ظل حديث بروس هوفمان الخبير في "مجلس العلاقات الخارجية"  بالولايات المتحدة عن أن أيديولوجية تنظيم القاعدة التي ألهمت الجماعات الجهادية لا تزال قوية، مدللا على كلامه بأن عدد الجماعات السلفية الجهادية المصنفة إرهابية على لائحة الإرهاب الأميركية تضاعفت 4 مرات منذ 2001.

وذكرهم هوفمان بشكل غير مباشر بالهجوم الذي نفذه محمد سعيد الشمراني على قاعدة بنساكولا الجوية في فلوريدا عام 2019 والذي أكدت التحقيقات ارتباطه بتنظيم القاعدة، والمتابع للمحللين الغربيين، ولا سيما الأميركيين، يلمس بجلاء التهديدات من عودة طالبان للحكم وربط ذلك بعودة القاعدة، وهو ما بدأت دكتاتوريات عالمنا العربي تردده للاستفادة من تمكينها إذا هي شاركت في الحرب على الإرهاب المزعوم.

لذا فإنه لا يزال المحللون الغربيون، وخاصة الأميركيين، يحذرون من خطر الإرهاب المحدق الذي يتهدد الولايات المتحدة، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك بتصوير أن كل إمكانات أميركا في أفغانستان أصبحت تحت تصرف القاعدة بعد سيطرة طالبان عليها.

لا يستبعد بأي حال من الأحوال عودة الحرب على طالبان، وإن اختلفت أشكال تلك الحرب، وإن لم ينفذها الديمقراطيون في عهد بايدن، فإنه على الأرجح أن ينفذه الجمهوري القادم إلى البيت الأبيض إذا ما أفرزته الانتخابات القادمة، ولا يمكن تجاهل صقور البنتاغون وجهاز "إف بي آي" ومن ورائهم لوبي السلاح واللوبي الصهيوني وغيرهم من اللوبيات التي لا تريد استقرارا في المنطقة ولاسيما الدول التي يمسك بزمام أمورها إسلاميون.

وما نشاهده الآن من حديث عن السلاح الأميركي المتروك وهيمنة القاعدة والعلاقة العضوية بين التنظيم والحركة، وحنث طالبان بوعودها تجاه الحريات، سيزيد خلال الأيام القادمة، لأن أميركا تحتاج عدوا والإرهاب عدو فاتح للشهية ومدر للدولارات.

إن تسليم أفغانستان لطالبان سواء بصفقة، كما يرى البعض، أو بخطة وهو الأرجح، إنما لإعادة تدوير السيناريو وتثبيت أركان أميركا بصور أخرى ستتأكد مع الوقت، لكنه سيثبت أركان الدكتاتوريات في العالم العربي والمنطقة بعد دورة حياة الثورات التي انتهت بانتهاء حقبة آخر إفرازاتها بهزيمة العدالة والتنمية المغربية بعد الخلاص من النهضة في تونس، إنها دورة حياة الدكتاتورية المغذية للإمبريالية الغربية، لذا فإن ذكرى 11 سبتمبر/أيلول ليست ككل عام ولها ما بعدها، وإن غدا لناظره قريب.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة