لماذا لم يفعلها ماتاريلا وفعلها سعيد؟

الرئيس التونسي أثناء متابعته لنشاط إدارة الصحة العسكرية تواصل اجتماعي
لم تفلح الكاميرات التي صورت الرئيس سعيد مستقبلا اللقاح الصيني بمطار قرطاج فالوضع أسوأ في ظل حالة التراخي خلال 18 شهرا الأخيرة بمواجهة الفيروس (مواقع التواصل)

 

في 31 يناير/كانون الثاني 2020 تأُكدت أول حالتين من فيروس كورونا، بعد وصول زوجين صينيين من مدينة ووهان إلى إيطاليا في 23 من الشهر نفسه عبر مطار ميلان، وبعد تنقلهما في العديد من المدن الإيطالية، ظهرت الأعراض على الزوج ومن ثم الزوجة فنُقلا إلى معهد لازارو سبالانزاني الوطني للأمراض المعدية حيث ثبتت إصابتهم بالفيروس، وفي نفس يوم تأكدت إصابتهما علقت الحكومة الإيطالية جميع الرحلات الجوية من وإلى الصين، وأعلنت حالة الطوارئ لمدة 6 أشهر.

وتفشى الفيروس وانتشر كالنار في الهشيم، وتساقطت المقاطعات الإيطالية واحدة تلو الأخرى، بدءا من لومباردي بعد إصابة رجل التقى بصديقه العائد من الصين ولم تتخذ التدابير الوقائية اللازمة وتطورت الحالة وتدهورت، ومع تحرك الزوج الصيني في محيطهما الأسري والعملي انتشر الفيروس بشكل أوسع قبل أن يتم حجزهما، لكن فيما يبدو فإن الزوار الصينيين ومن عاد من الصين في حينها كانوا كفيلين بنشر الفيروس في أنحاء إيطاليا ورغم التدابير المتخذة فإن الفيروس بدأ في حصد الأرواح بشكل متسارع حتى أصبحت إيطاليا واحدة من بؤر الفيروس الخطيرة في العالم، حتى وصل عدد الوفيات نهاية العام ما يقارب 70 ألف وفاة مع انهيار شبه كامل للمنظومة الطبية في البلد، وبات الأمر خارج السيطرة ليخرج رئيس وزراء جوزيبي كونتي مصرحا: لقد انتهت حلول الأرض والأمر متروك للسماء واعترف بكل شجاعة: لم نكن جاهزين للتصدي للجائحة.

لكن الأزمة لم تكن أن إيطاليا ليست جاهزة صحيا، ولكن لم تكن جاهزة أيضا اقتصاديا فخسر الملايين وظائفهم وتدهورت الحالة الاقتصادية والمعيشية وضربت البطالة بيدها القوية على رؤوس المواطنين وباتت المعونات الحكومية وحتى الخارجية لا تكفي لسد حاجة المجتمع، ولا تزال إيطاليا تعاني تداعيات الأزمة حتى الآن، ولا زال كونتي يحارب من أجل المواطن ومن أجل سمعته حتى الآن.

تونس وأزمة كورونا

في 12 يوليو/تموز الماضي أي بعد ما يقارب 18 شهرا تلقى الرئيس التونسى قيس سعيد، بمركز التلقيح في حي الرفاهة في المنيهلة، الجرعة الأولى من اللقاح المضاد لفيروس كورونا، وهي رسالة كافية لنتعرف على تطورات الجائحة التي تحصد أرواح العشرات يوميا في هذا البلد، وكما أن الرسالة توضح مدى شعور الرجل الأول في الدولة بخطورة الفيروس، فإنه خلال هذا الأسبوع قاربت الإصابات الجديدة بالفيروس حوالي 4 آلاف إصابة والوفيات 381 حالة.

ولم تشفع الكاميرات التي صورت الرئيس وهو يستقبل مليون ونصف المليون جرعة من اللقاح الصيني في مطار قرطاج، لأن الوضع بات أسوأ في ظل حالة التراخي التي شهدتها البلاد خلال العام ونصف العام المنصرم في مواجهة الفيروس، وعدم اتخاذ المسؤولين الاحتياطات والتدابير الوقائية والتي منها إشعار المواطن بخطورة الحدث.

فعلى الرغم من إرسال الاتحاد الأوروبي ودول عربية كمصر وقطر والإمارات والسعودية والمغرب أطنانا من المساعدات الطبية، ظل الأمر في إطار التعامل الطبي الطبيعي، ولم يدار بفكر إدارة أزمة ظلت تدار في قرطاج بين رئيس الحكومة الذي اختاره الرئيس بنفسه ولم ينصع لأوامره، كما كان يأمل، وبين الرئيس أيضا والبرلمان الذي أراد أن يمارس مهامه الدستورية التي لا يترك الرئيس فرصة إلا ويفتئت عليها.

وتركت الأزمة الحقيقية التي تنهش في أجساد التونسيين بشكل صامت فتحصد أرواح أحبائهم بدون مواجهة حقيقية وجادة، فالوضع لم يكن يتحمل مزيدا من التراخي والالتفات لمعارك جانبية يريد فيها طرف أن ينتصر لنفسه، إذ إن الوضع الصحي في عموم تونس وفي المناطق البعيدة عن العاصمة خاصة يبدو فيها الفيروس أشد وطأة على المواطنين قبل المستشفيات المتداعية بالأساس والتي تعاني من إهمال دام 60 عاما تقريبا ولم تنصفه الثورة التي ورثت أوضاعا مهترئة على كل الأصعدة، فلا قدرة استيعابية تتحمل الأعداد المتزايدة ولا مستلزمات طبية تعين الكوادر الطبية المنهكة بأعدادها القليلة في رفع آلام المرضى الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة أمامهم من غير حيلة.

ماذا لو نص دستور إيطاليا على الفصل 80 في تونس؟

في ظل كل هذه الأوضاع المأساوية التي يعيشها التونسيون كان هناك "فقيه" دستوري يبحث ويفحص ليفسر في فصول الدستور ليجد حلا.. لا من أجل وضع حد لذلك الصامت الذي يحصد أرواح التونسيين، بل من أجل معضلة البرلمان العصي ورئيس الحكومة الذي حرن، لكن كورونا ستكون المطية والجسر الذي سيعبر عليه الفقيه الدستوري لحل أزمته والوصول لرغبته، إنه الفصل رقم 80 من الدستور، ولما كانت المحكمة الدستورية غائبة، بفعل فاعل، فإنه من اليسير أن يأخذ "الفقيه" الدستوري زمام المبادرة ويفسر كما يشاء ومن ثم يصدر ما يشاء من قرارات.

على الرغم من أن إيطاليا عاشت أصعب لحظاتها تاريخيا، تلك اللحظات التي رآها البعض أقرب ما تكون للحظات الحرب العالمية الثانية بصواريخها وداناتها المدمرة، إلا أن الايطاليين اليوم يصلون كل يوم لأن الدستور الإيطالي لم ينص على فصل مرقوم بـ 80 ينص على ما ينص عليه الدستور التونسي، كما أنهم يتبعون صلواتهم بصلوات أن الرئيس سيرجيو ماتاريلا مجرد محام وليس "فقيها" دستوريا ولم يستخدم مهاراته في المحاماة لتفسير أي من مواد الدستور لصالح نفسه.

ولعل البرلمان الإيطالي بأعضائه الــ 630 يشكرون الله على بقائهم في مناصبهم التي انتخبهم الشعب لها، لم ترفع الحصانة عنهم لينكل بهم ماتاريلا بعدما أعد لهم ملفات يوصمهم بها بالفساد، ولعل رئيس الوزراء الذي صرح بالقول "لم نكن جاهزين للتصدي للجائحة" وكشف عن عجزه حيث يقضي أغلب وقته ويبيت رافعا يديه للسماء بأن الله لم يهب البلاد "فقيها" كما وهب تونس.

بناء عليه..

إن هناك من يريد أن يسقط التجربة الثورية التونسية الوحيدة الباقية تتنفس بشكل طبيعي في ثورات الربيع العربي بموجتيها، بعد أن وضعت باقي الثورات على جهاز التنفس الاصطناعي، كما أن هناك من يريد أن يقضي على تيار عام في الأمة، تيار أراد إرجاع الأمة لجذورها وثقافتها وتراثها، لتعود متفردة بشخصيتها التي فرضت نفسها بالعلم والعمل على العالم أجمع، لما نهضت، تيار يريد لهذه الأمة أن تزرع مطعمها، وتصنع دواءها وسلاحها، وتملك أسباب القوة برجال يحملون العلم وآخرين يحملون السلاح لحمايتهم.

كما أن هناك من يريد أن يضع قدمه في تونس بعد أن خسر الجزائر والمغرب كبوابات لوسط وغرب أفريقيا، فلا يزال يعيش في أوهام الاستعمار القديم بعنفوانه وجبروته وإصغاره للحكام الضعاف الذين كانوا يسمعون له ويطيعون، ويبدو أن الخطة تنفذ على قدم وساق، فهؤلاء فطنوا إلى أن الشعوب لن تقبل بموطئ قدم لهم، ولن ترضى بأن يفرض عليهم نمط حياتهم ومن ثم لن يقبلوا أن تفرض عليهم طريقة حكمهم.

إن ما يحدث في تونس إرهاصات ثورة جديدة توقدها قرارات ارتدادية منقلبة على مكتسبات الثورة الأولى عام 2010، ولعل فطنة الشباب تسبق "الشيوخ" في ذلك، فلا الأمر منافسة على الحكم كما يحاول البعض تصويره، ولا هو محاربة فساد كما يراد رسم تفاصيله، ولا بين تيار وتيار أو حزب وحزب، كما أن المواجهة وأدواتها مع الانقلاب ليست كما يأمل الشباب أو يقبل، فبعد أن فهموا منذ اللحظة الأولى الخطة ومقاصد القرارات، أدركوا أن الأدوات المستخدمة لن تفشل الانقلاب.

ولعل قسم الرئيس المتكرر بأنه ليس دكتاتورا ولا يريد الاستئثار بالسلطة، وهو القسم الذي تكرر من قبل عند الجيران، يؤكد أن ما يجري في تونس حدث من قبل في مصر، والفعل أصدق من القول، فالقسم لا يصادفه حقيقة على الأرض بل على العكس.

لكن الرهان سيبقى على شباب تونس بكل أطيافهم وتوجهاتهم، وستبقى الإجابة "تونس" صحيحة وإن أراد أحدهم أن تكون الإجابة نفسها عند الخطأ.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة