شعار قسم مدونات

"غريبو الأطوار" في الفن والسياسة والثقافة والعسكرة

من فيلم "غريبو الأطوار" (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

عرضت قناة الجزيرة -في برنامج "ما خفي أعظم"- تحقيقا عن فيلم "غريبو الأطوار"(The Misfits) الذي أنتجته ومولته الإمارات العربية المتحدة، وقد كشف التحقيق الفكرة الرئيسية من الفيلم من خلال زج وتشويه اسم دولة قطر بملف "الإرهاب" وإظهارها كراعية له بعد تعديل السيناريو الأصلي للفيلم، ثم الحشو والتعديل عليه، بما يناسب الفكرة الأساسية. وثمة مجموعة من المشكلات أود الشروع في إلقاء الضوء عليها، وهي تنبثق من القضايا العامة التي يركز عليها بعض الإعلام الرسمي العربي وخصوصا في أبوظبي والرياض، وهي قضايا تتعلق بمنظومة الاستبداد الأخرى في المنطقة والممتدة من القاهرة إلى دمشق وبغداد، حيث تتصل فيما بينها من حيث التمثيل والثقافة والفن والسياسة. وإن العماد الأساسي لذلك الإعلام الرسمي؛ هو العلاقة بين السلطة القائمة على الفساد والطغيان والدفاع عنها لتبرير سياسات القمع والقهر للشارع العربي.

ويتوجب إيضاح نقطة أولى هنا، وهي أن استخدام السينما لتشويه صورة العربي والمسلم كانت -على مدار عقود- محل شكوى وتندر كثير من السياسيين والمثقفين العرب؛ بسبب حضور صورتهم وتاريخهم في مخيلة الغرب والسينما الأميركية بنمطية العربي المتخلف، في صورة تدعو للسخرية والاستهزاء المتعالي، وبعدم القدرة على التعاطي مع المرأة ومع حقوقها، ويعرف كل متابع أن مئات الملايين أو المليارات من الدولارات صرفت على هذه الدعاية في هوليود وغيرها من الشركات الدعائية التلفزيونية والسينمائية والصحافة الورقية، وقد قامت هذه الدعاية بمهمة التغطية "الحقيقية" لإعطاء الانطباع عند ملايين المتابعين عن قابلية الذهن العربي أن يتحول إما لـ"إرهابي عنيف" أو إلى مستسلم للقوي مفتول العضلات لدرجة الإعجاب به بدونية وانحطاط.

والنقطة الثانية -التي تحمل قدر أكبر من التعليق على "ما خفي أعظم"- هي أن ثقافة ورؤية جديدة بدأت مع اندلاع الثورات العربية وازدهرت في الثورات المضادة، والتي تحمل قسطا لا بأس به في المعاداة والتعسف على العقل والوعي العربي بشكل بذيء وربما يمكننا أن نقول إن صناع الفن والسياسة والثقافة في غرف المخابرات والأجهزة العربية "ليسوا غريبي الأطوار"، فإن تلك الأجهزة أخذت عن العقل الغربي والأميركي العنصري المتعالي مهمة تشويه مجتمعاتها، لتصبح الهيئات الإعلامية والتلفزيونية والثقافية الرسمية مسارح متقدمة لإنتاج عروض تأخذ بالاعتبار المواقف الإستراتيجية للسلطة الحاكمة أو النظام القائم على القمع والتزوير، وذلك من أجل تشويه معاني مطالب الشارع لحريته وكرامته وفي التعبير عن رأيه، وربطها بـ"الإرهاب" الذي "تكافحه السلطة " بعد أن أوجدته في شعاراتها الدعائية لتثبيت أنظمتها.

والنقطة المهمة هنا، هي درجة الصعوبة في فهم "الأطوار" التي يتطور ضمنها عمل السياسة والفن والثقافة، وهي تتبدى سماتها الأساسية في أنها أولا على درجة متواصلة من التدفق والجهد المركز لمحاولة الهيمنة على الإنسان العربي وحقوقه، خصوصا إذا ما قسنا هذه الجهود في عهد الثورة المضادة التي تحدت تعريفات التزوير والشيطنة والصهينة للعقل العربي، وأيضا أخذت على عاتقها دور لوبياتها في الغرب لتعمل من داخل أقبية الأجهزة العربية دون تكليف هذه اللوبيات جهود مالية وإعلامية مضنية، ويمكن ببساطة أن تشاهد إعلانا أو موقفا سياسيا أو ثقافيا أو سينمائيا يحتقر من عقيدتك وتاريخك وكرامتك من على شاشة عربية تستضيف برامج حوارية وأبواق مختلفة من مثقفين وسياسيين "أطوارهم" تتطابق تماما مع "أطوار" أنظمة مستبدة وقاتلة.

وبالنسبة للنظام العربي فإن الصورة التي يحب أن تتكون في الغرب والولايات المتحدة هي أن يكون استبداد الحاكم وعسفه وجرائمه من الأمور المبررة في وسائل الإعلام لمكافحة "إرهاب الإنسان" المطالب بحريته وكرامته.

إن تدجين المثقف والفنان والسياسي لنفسه أمام جرائم الحاكم العربي هي إحدى إبداعات وتجليات لم تعد "غريبة الأطوار" في الانهيارات الكبيرة لإعلام وفن وسينما المخابرات وبطولاتها على أجساد عربية، فلم يعد المستشرقون بحاجة لجهود تزييف التاريخ والواقع أمام جهد المستعربين "غريبي الأطوار" في المناخ المحتدم من فصول الثورة المضادة، وقد تعدى الأمر فيها مسألة التشرنق في عباءة الحاكم العربي إلى شيطنة الحقوق التاريخية لشعب يرزح تحت الاحتلال ومن ثم إنتاج أعمال "فنية" عربية تمجد بطش الحاكم العربي في القاهرة ودمشق وبيروت، ثم أعمال أخرى في الرياض وأبوظبي تدعم الرواية الصهيونية، ثم اتجهت سياسة التطبيع إلى التلاحم معها ودعم مشاريعها الاستعمارية بمليارات الدولارات.

إن هذه السلسلة غير العادية من اللوبيات العربية الفنية والثقافية والسياسية والإعلامية؛ لم تقف عند حد تقلبات المواقف، بل في سماحها لنا بفهم أعمق لدورها وتأثيرها في تثبيت ماكينة الاستبداد ودورة حياة الاحتلال؛ فعندما نشتكي تاريخيا من دور اللوبي الصهيوني ودور منظمة الضغط الأميركية الصهيونية "آيباك" وتأثيرهما في صناعة رأي عام داعم للمؤسسة الصهيونية؛ تتشكل فجأة لوبيات لا لتحرير الإنسان العربي ورفع الظلم والقهر والاستبداد عنه؛ بل لتشارك في الضغط عليه في تلميع صورة السفاح المحتل والطاغية على حد سواء وفي الذهاب بعيدا بتحالف وثيق معهما. وما خفي أعظم في الجزيرة، وما فُضح في الثورات المضادة كارثي من أنظمة التزوير والانقلاب والفساد والقمع والتدمير.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.