لا تعاتب.. ولو كانت جراحك تلتهب

غدر الرفاق، فعليك أن تتعايش مع ذلك، وأن تأخذ العبرة مما لاقيت في حياتك، فما حدث قد حدث، فلا تندم، ولا تتحسر، فلا ينفعك هذا ولا ذاك، وإنما سيزيدك همًا فوق همك (وكالة الأنباء الأوروبية)
غدر الرفاق، فعليك أن تتعايش مع ذلك، وأن تأخذ العبرة مما لاقيت في حياتك، فما حدث قد حدث، فلا تندم، ولا تتحسر، فلا ينفعك هذا ولا ذاك، وإنما سيزيدك همًا فوق همك (وكالة الأنباء الأوروبية)

 

لا تُصافح كل من لاقيت في طريقك، إن مِن الناس مَن يُحب ألا تمد إليهم يد، بل مخلب ناشب

وانطلاقًا من تلك الجملة التي أنهى بها زرادشت خُطبته، يتضح لكلينا -أنا وأنت- أنه ليس عليك أن تتحول إلى لقمة سائغة لكل من تُقابل، وليس عليك أن تكون مُسالمًا مع كل الناس، وفي الوقت نفسه لا يعني الكلام أن تتحول إلى وحشٍ، ولا أن تفقد تواضعك وبسط كفك للخير، وإنما عليك بالحرص.

فالناس أنواع، وكل نوع حسب الطينة التي خُلق منها، فمنهم من سوُدت نفسه ببراثن الحقد ومنهم من تطهرت روحه بنور الوفاء، فلا تحسبنَّ البشر على نفسٍ واحدةٍ، إنما هي نفوس لا يعلمها إلا من خلقها، فقد يخدعك مظهرها، وفي باطنها المرارة، وأنت تعلم طعم المرارة وكذلك تعرف طعم الندم، ومتى جاء الندم لا ينفع معه أي شيء سوى أن تستحضر الماضي بكل مُفرداته ومعانيه، لتبدأ بعتاب نفسك. مَن المُلام هنا.. أنت أم مَن اطمأننت له سريعًا؟

في نظري المُلام هو أنت، كأنك كنت جاهلًا -نظرًا لفطرتك البريئة- بطبائع الناس وسجاياهم المُختلفة، فما الناس سوى سطور محبوكة بواسطة الحياة، فمنهم من جُبل على طبائع الكرم ومنهم من روض نفسه على الرياء.. وقد تقول كيف لي أن أعرف الفرق؟

مع المواجهة الأولى -أو المُشكلة الأولى- التي تُعرضك لها الحياة، تتكشف لك كل السطور، فلا تظن أن عتابك للآخر ينفع، فما هو -في نظري- إلا محض إذلال لذاتك، فلو كان ينفع، لما أقدم على فعلته أول الأمر، وإنما الأحق بالعتاب هو "أنت"، فلا تُرهق نفسك في معاتبة غيرك، وانهض، وانفض عنك غبار الأيام والأحزان، فما ربُك بمضيع حقك، وكن كالسيف إذا ما الأغصان تلتحمُ، وكن ذا عزيمة تنفطر من دويّها السماء.

فلست الأول، ولا الأخير الذي يتعرض لغدر الزمان، واعلم أن الماضي لا يعود، وأنت في عرفه ميت، فلا يبقى لك منه سوى العِبرة، هذا إن اعتبرت، أما المُستقبل، فأنت في حكمه لم تولد بعد، فإياك أن تحزن على ما فاتك، ولا تقلق مما لم يأتِ بعد.. واعقد الهمة، فما الدهر سوى أيام ثلاثة، يوم فات، ولم يبقَ منه سوى الذكرى، ويوم تعيشه دون أن تدرك أنه هو ما بيدك الآن، ويوم لا تعرف عنه شيئًا، لكنك تحسبه على خير. فما أنت سوى كائن في الحاضر، فلا تحزن على الأمس، ولا تقلق من الغد، وقد قال عُمر الخيام يصف الدهر:

يومان ما عشت لا أعني بأمرهما .. يوم تولى ويوم بعدُ لم يرِدِ

 

وأما عن غدر الرفاق، فعليك أن تتعايش مع ذلك، وأن تأخذ العبرة مما لاقيت في حياتك، فما حدث قد حدث، فلا تندم، ولا تتحسر، فلا ينفعك هذا ولا ذاك، وإنما سيزيدك همًا فوق همك، واذكر ما قالته "فدوى طوقان" عن غدر الرفيق:

أتيت دربَ العمرِ مع قلبي .. أغرس زهر الحب في الدرب

ليغمر الصحب بعطر الهوى .. فينعموا في فيئه الرطب

فبعثروا زهري بأقدامهم .. ووطئوه في الثرى الجدب

وارتج قلبي خلف صدري أسى .. ولج في دق وفي وثب

فلم يطل وهمي حتى هوى .. خنجرهم، وغاص في جنبي

وضحكت نفسي في سرها .. هازئة مني، ومن حبي

وسرت مع قلبي وحيدين، لا .. شيء سوى الأشواك في الدرب

في الختام، لا تندم على غدر فلان أو عِلان ولا على ما فات، وإنما عليك الاستعداد لما هو آت، حينها ستكون قد تعلمت، فلا دوام في الحياة، ولا بقاء لشيء إلا يعقبه فناء، فاعلم أن لنفسك عليك حقا، فلا تهنها بعتاب أحدهم، فلا تستحق منك ذلك، وإياك أن تضيع من حياتك بضع ثوانٍ في الشكوى والتذمر، وإنما عليك أن تعتني بنفسك، فدعك من مذهب الذل هذا، وقمْ كما الثائر يُنادي في العُلا، فالحياة لن تتوقف على شخص أو حدث ما، إنما الحياة أوسع وأعمق مما تتخيل، فما هي إلا مدرسة، تتلقى فيها دروسًا تغذيك بالخبرات، لتكون أعلم الناس بطبائع الشخصيات، كصاحب حكمة مرموق.

فالحياة سلسلة من المعاناة والميتات المُتتالية، تنتهي بأن تخلق منك ذلك الحكيم، الذي ينظر إلى جوهر الأشياء بتمعن، فهو لم يقف عند محطة من حياته ظانًا أنها النهاية، بل هي محطة من ضمن مئات المحطات الأُخر التي مرَّ بها، فكن حكيمًا شاكرًا لكل تلك المحطات التي ستمر بها.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة