انسحاب بايدن من العراق وأفغانستان.. هزيمة أو إعادة تموضع؟

تمركز القوات الأميركية في أماكن الصراع أدى إلى خسائر بشرية ومالية وتكلفة باهظة للبيت الأبيض (الجزيرة)
تمركز القوات الأميركية في أماكن الصراع أدى إلى خسائر بشرية ومالية وتكلفة باهظة للبيت الأبيض (الجزيرة)

 

لا شك أن انسحاب الرئيس الأميركي جو بايدن من أفغانستان والعراق حقيقة واضحة للعيان، وتدل على أن ذلك فشل آخر ينضم لركب الفشل الأميركي الذي بدأ بفيتنام وانتهى بمطالبة حكومة العراق على لسان رئيس حكومتها مصطفى الكاظمي واشنطن بالانسحاب من العراق، وأنها تستطيع مواجهة التحديات، وانتهت في أفغانستان باتفاقية بين حركة طالبان التي كانت هدف الحملة الرئيسي للعملية العسكرية الأميركية لدعمها الإرهاب، وأنها تريد تطبيق الديمقراطية في أفغانستان وإزاحة طالبان "الإرهابية" من سدة الحكم.

مع العلم أنها لتنشر ديمقراطيتها المزعومة أتت بمن لا يصلح لحكم البلاد، كالقوات المسؤولة عن الحرب الأهلية التي أتت على الأخضر واليابس في أفغانستان، وانتهت حملة واشنطن العسكرية بوضع يدها بيد عدو الأمس، وعدم تطبيق ما كانت تدعم به اجتياحها أفغانستان من إعداد دولة قوية كما فعلت في ألمانيا الغربية واليابان، بل زادت الطين بلة، ولم يكن خوضها الحروب ضد نظام أو دولة كما السابق، بل ضد جماعات تكن لها العداوة، ومعظمها جماعات إسلامية متشددة، فدخلت واشنطن في حرب العصابات، وتلك الحرب أصعب من أن تكون مع دولة لها جيشها النظامي ومؤسساتها الدبلوماسية التي تستطيع من خلالهما التعامل العسكري التقليدي معها، أو حتى عن طريق التفاوض مع ممثلي تلك الحركات، فأصبحت واشنطن تخوض حربا أساليبها وطرقها كحرب العصابات، رغم بدائية الأسلحة المستخدمة من قبل الجماعات ضد واشنطن، ولكن أسلوب الكر والفر والمباغتة يضعف أكثر أقوى دولة.

ولقد ذاقت واشنطن تلك الهزيمة من قبل في حربها في فيتنام، كما أنها فشلت في تكوين مستعمرات وإمبراطوريات مثل فرنسا وبريطانيا؛ بسبب التغير والنضج الفكري لمعظم الشعوب، وعدم إذعانها لفكرة الاحتلال الأجنبي. كل ذلك ربما كان من الأسباب التي جعلت واشنطن تنسحب من مناطق وتعيد ترتيب أوراقها، حيث تكون متيقظة لكل ما يهدد مصالحها.

واشنطن وتصرفها كلاعب شطرنج

الميزانية العسكرية للبنتاغون للقوات العسكرية حوالي 700 مليار دولار، مما يزيد التضخم، وتمركز القوات في أماكن الصراع أدى إلى خسائر بشرية ومالية وتكلفة باهظة للبيت الأبيض، والأدهى من ذلك انخراط واشنطن في محاربة ما يسمى الإرهاب لحماية مصالحها ومصالح شركائها، وهو ما جعلها تغض الطرف عن تنامي قوة الصين وروسيا، بل واحتمالية اتحادهما ضدها ومنافستها، وغزو الصين الأسواق العربية وجنوب آسيا، وحتى أميركا، ببضائعها.

وروسيا أصبحت حليفا عسكريا لبعض الدول، وتقاربها من بعض الدول الأوروبية والأنظمة العربية جعلها تعيد تمركز قواتها، إذ إن استمرارها الثابت في مكان واحد أدى إلى خسائر فادحة لها، وصعود قوى أخرى غيرها تسعى للسيطرة والتنافس على عدة مناطق إستراتيحية، مما يهدد مركزها الدولي.

تكوين علاقات جديدة مع حلفاء جدد

شكّل تكوين اتفاقية بشأن قاعدة عسكرية بين الأردن وأميركا تساؤلات عن ذلك التصرف؛ فالأردن لا يشكل منطقة أو حتى فيه ما يشكل تهديدا على أميركا، فالنظام الملكي حليف قوي، وقد ظهر أنه لا يتصادم مع المصالح الأميركية، ولكن ربما لحماية مصالح إسرائيل، ولتصبح بعيدة عن مركزية الصراع وحدته بالعراق أو سوريا، وفي الوقت نفسه تبتعد عن فتيل الخطر، ولكن تظل قريبة إذا طرأ ما يعكر صفو مصالحها وتظل قريبة من العراق وإيران وسوريا وحتى أفغانستان، ومن ثم تموضعت في مناطق أخرى بالقرب منها كالخليج العربي بحجة محاربة حماية وتدارك أي تهديد قد يضر بأميركا ومنع حدوثه قدر المستطاع.

وفي جنوب آسيا، نجد أيضا زيارات لبعض المسؤولين الأميركيين لتجديد العلاقة والتقارب، بعد أن لمست تقاربا واضحا من قبل الصين وروسيا في تلك المنطقة، بل وحتى وصلت لعبة الشطرنج إلى بلاد المغرب العربي شمال أفريقيا، بعد التقارب الواضح مع الصين، بل إن الصين "غزت" مدن ساحل أفريقيا وجنوبها بمنتجاتها وشركاتها، وساعدت الصين في ذلك سياستها التي تتصف بالودية، أي عدم التدخل في شؤون الدول المتواجدة بها، عكس الأوروبيين والأميركيين؛ فذاد ذلك قلق واشنطن واتضح ذلك من خلال إعادة تموضع واشنطن ببعض المناطق وانسحابها من مناطق أخرى، بل وحتى هناك تغير واضح تجاه سياستها المتصلبة ضد إيران لكسب تلك الدولة في صفها، بينما بدأ تمحور فكر أميركا في منطقة الخليج العربي يضعف شيئا فشيئا، لعدم ثبات واشنطن في موضوع النفط العربي، بل إن فكرة تواجدها تبدلت من الاستحواذ إلى محاولة ضبط السوق النفطية والتحكم فيه لصالحها.

وفي عهد الرئيس السابق دونالد ترامب حاولت بعض دول الخليج التقرب منه لاستمالته والضغط عليه بحكم موقعها ومواردها من أجل مكاسب سياسية واستغلال سلطته ضد أعدائها، ولا يعلمون أن ترامب مجرد استثناء أو طفرة، ولا يتمتع بأسلوب من سبقوه بالمكر والحنكة السياسية، فبمجرد تغير ترامب تغيرت المواقف، لأن أميركا رأت أن ذلك سيزيد زعزعة مركزها في مجال حقوق الإنسان، بل وغيرت رأيها وأبدت نيتها في موقف تلك الدول، فهي لا تمانع في الدخول مجددا في المفاوضات النووية الإيرانية.

ويتضح من كل تلك العوامل أن حماية مصالح أميركا بحجة محاربة الإرهاب قد أضاعت عليها الكثير، وأغفلتها عن منافستها التقليدية روسيا ومنافستها الصاعدة الصين، حتى تجلى موقف واشنطن الواضح عند تواجد بايدن بمقر الوكالات الاستخباراتية، حيث قال إنه من غير المستبعد أن تدخل أميركا الحرب ما دام هناك تهديد لأمنها، خاصة إذا تزايدت الهجمات السيبرانية ضد الولايات المتحدة. في إشارة منه إلى الصين وروسيا؛ من ذلك يتضح أن إعادة تموضع أميركا وانسحابها من بعض المناطق وترك حلفائها تحمل في طياتها هزيمة، وأيضا محاولة استعادة مركزها بعد غزو الصين وروسيا علاقات في مناطق شمال أفريقيا ووسطها وجنوب آسيا وأوروبا أيضا، بل وحتى في عقر دار الولايات المتحدة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة