علماء السوء.. أساس خراب الأمة الإسلامية

كيف فقدت الأمة مناعتها وأصبحت مستباحة للطامعين وراحت تتهاوى في مهاوٍ سحيقة تغيظ الأصدقاء وتشمت الأعداء (رويترز)
كيف فقدت الأمة مناعتها وأصبحت مستباحة للطامعين وراحت تتهاوى في مهاوٍ سحيقة تغيظ الأصدقاء وتشمت الأعداء (رويترز)

 

لقد كثر الحديث حول أسباب الانحطاط في الأمة الإسلامية وتشعّب واتّخذ أوجهًا ومناحي، وانبرى أصحاب الفكر والقلم يقدحون زناد الفكر ويعملون مَلَكاته في البحث في هذا الموضوع ذي الأهمية المركزية والعظمى. بعضهم من وجد، بعد تحقيق وتدقيق وبحث مستفيض، أن الأمة الإسلامية قد أصابها ما أصابها من الوهن والخوار بسبب المؤامرات التي حيكت وما فتئت تحاك ضدها حتى تصرفها عن سُبُل الترقّي ومدارج الرفعة. ولا يخلو هذا الكلام من حقيقة، وإن كان يظل عاجزًا عن توصيف المشهد بأسره وعن تقديم التشخيص الشافي الوافي لانحطاط الأمة الإسلامية.

فالحقد الاستعماري تدلّ عليه الحروب والاحتلالات الكثيرة التي قامت بها الأمم الإمبريالية ضد الأمة الإسلامية. هذا الأمر لا مجال لإنكاره أو دحضه. فوقائع التاريخ شاهدة عليه، ولا مفرّ من التسليم به. لكن الحقد الاستعماري وحده، وإن بلغ شأوًا من الأهمية لا مجال لإنكاره، لا يقدّم تفسيرًا شاملًا كاملًا لأسباب انحطاط المسلمين ووقوعهم فريسة سهلة ولقمة مستساغة بين براثن وأنياب الطامعين والمستغلّين من أصحاب مشاريع الهيمنة والتوسّع.

 

إن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه والوقوف عنده هو ليس لماذا يكرهوننا ويحقدون علينا ولا ينفكّون عن افتراسنا ونهبنا وإلحاق الأذى بنا. لا شك أنه سؤال وجيه ومشروع ولا غبار على أهميته، ولا بد من طرحه والاجتهاد في تقديم الإجابات له. ولكنه لا يعالج إلا جزءًا يسيرًا من المسألة. إن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه وبذل الجهد في المحاولة لتقديم الإجابات الوافية عنه والاستقصاء فيها، إن هذا السؤال هو: كيف فقدت الأمة الإسلامية مناعتها وحصانتها ودب في مفاصلها الضعف والوهن بحيث أصبحت مستباحة للطامعين وسهلة المنال للحاقدين وأخذت تتردّى في القعر بعد القعر، وراحت تتهاوى في مهاوٍ سحيقة تغيظ الأصدقاء وتحزنهم وتشمت الأعداء وتفرحهم.

والمدخل لفهم فقدان الأمة الإسلامية للحصانة والمناعة وانحطاطها وضعفها ليس في خارجها وإنما في داخلها وفي صميم صميمها وحشاشة حشاشتها، وأكثر المواطن تمثيلًا لها وتعبيرًا عنها. هذا المدخل هو المبتدأ والخبر، وهو الجواب والسؤال، ولا مجال لمعالجة قضية انحطاط المسلمين إلا عبر ولوج بابه والمكوث هناك طويلا حتى يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض من فجر النصر الذي طال انتظاره ومن أيام المجد الذي ولّى منذ ردح من الزمن ولمّا يعد بعد. هذا المدخل هم العلماء والمشايخ الذين أنيطت بهم رسالة حفظ العلم الإسلامي الشرعي والمحافظة على التراث الإسلامي وإقامة الحياة التي تتقيد بقيم الإسلام وأحكامه وشرائعه.

وهذا الأمر قد تنبّه له حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي، في كتابه الخالد "إحياء علوم الدين" ذي الأهمية العظمى، فاستفاض في وصفه واستقصى في معالجته، فقدّمه على الحديث عن أحكام العبادات والمعاملات وعن شرائع الإسلام. فكأن الإمام الذي لم يخشَ أن يصنع كما يفعل الجرّاح الماهر والرؤوف عندما يمسك بمبضعه ويشرع في استئصال ورم خبيث يهدّ جسدًا من الأجساد، مهما تسبب هذا الاستئصال بالألم الشديد. فألم استئصال الورم الخبيث أهون بكثير من وبال استمراره في تسميم الجسد واستنزاف قوى صاحبه.

 

لقد شخّص الغزالي الداء ووصف الدواء، وبدأ بنفسه قبل الآخرين، وبهذا صار قدوة عظيمة خالدة عبر الأزمان، وبهذا اكتسبت أعماله وكتاباته قوة مكّنتها من البقاء عبر تعاقب القرون، كشجرة مباركة تؤتي أكلها الموسم بعد الموسم عبر الزمان. لقد اعتقد حجة الإسلام أن نكبة نكبات الأمة الإسلامية هم علماء السوء الذين يجعلون من علوم الدين والشرع مطية لأكل الدنيا وأداة للوصول إلى المطامع ووسيلة لقضاء الأوطار من الشهوات وسبيلا للحصول على الملذّات والمتعة. هؤلاء العلماء والفقهاء والمشايخ، بحسب الغزالي، هم البلاء كل البلاء، وهم بيت الداء وموطن الهلاك. ولهذا أفرد الغزالي مساحة كبيرة للحديث عن ما سمّاه "علم طريق الآخرة" لتبيان سبيل أولياء الله وخاصته من العلماء الربانيين الخاشعين حق الخشوع والمنيبين إلى الله سبحانه وتعالى إنابة صادقة. وبهذا جنح الغزالي نحو التصوّف جنوحا عظيما، فصار من أئمته وأقطابه عبر العصور.

لقد رفع الغزالي سوطه في وجه آكلي الدنيا بواسطة الدين من علماء السوء ووعاظ السلاطين، أولئك المشايخ والفقهاء الذين بايعوا الظالمين على ظلمهم وباركوا للمتجبّرين تجبّرهم وسبّحوا بحمد المستكبرين. وراح يوبّخهم توبيخًا عظيما، ويلقي عليهم قولا ثقيلا، ويتفنن في إظهار الحجة عليهم، وفي تعزيرهم بوابل من القوارص والتقريع العنيف الشجاع. ولقد كانت محنة الغزالي الفكرية والفلسفية والوجدانية هي التي ذهبت به نحو الزهد في زينة الحياة الدنيا زهد القادر المستطيع لا زهد العاجز الخانع. وهذه المحنة عينها هي التي كانت السبب في انتهاجه نهج أئمة الصوفية وفي اقتدائه بسَمتهم واتباعه طريقهم وطريقتهم. هذه المحنة هي التي جعلت العلّامة الفقيه يترك زخرف الدنيا ويتنازل عن أبهتها في قمة عطائه كعالم ومدرّس ومحاضر جاءته أسباب نعيم الحياة الدنيا وتوفرت له سبل التنعم والترفه بالملذات والشهوات، فزهد في هذا كله واختار سلوك "علم طريق الآخرة" كما سمّاه، وترك بغداد سائحا في بلاد الله الواسعة، بحثا عن تزكية النفس وتنقيتها من شوائب الشهوات ومن أدران الملذات.

لكن حديث الغزالي وغيره من الأئمة الكبار والأقطاب العظام عن علماء السوء لم يمنع من تكاثرهم عبر العصور والأزمنة. فكأن زواجر حجة الإسلام وغيره من العلماء الكبار قد ذهبت أدراج الرياح ولم تجدِِ نفعًا في شيء. حتى وصلنا لعصر قد صار لعلماء السوء مؤسسات تنطق باسمهم وهيئات تعنى بمصالحهم، وكل هذا تحت ستار الحرص على مصالح المسلمين والخوف على القيم الإسلامية والغيرة على الشرع الشريف والمقدسات. فصار علماء السوء هم الكثرة الكاثرة من العلماء، وتقلّصت أعداد العلماء الربانيين حتى صاروا القلة القليلة المغلوبة على أمرها أمام جحافل وعّاظ السلاطين. ولم يتورع علماء السوء، أفرادا وجماعات، عبر أشخاصهم ومؤسساتهم، عن التحالف مع السلطات السياسية الظالمة الآثمة على امتداد العالم الإسلامي. فصار علماء السوء هم الذين يسبغون الشرعية على الحكّام الطواغيت الظالمين، وصارت المؤسسة الدينية الفاسدة والسلطة السياسية المستبدة صنوَيْن لا يفترقان، وإن أضيف إليهم الرأسمال، تشكل لدينا ثالوث البلاء والوباء والشقاء الذي يقذف بالأمة الإسلامية في المهاوي السحيقة ويجعلها تتردى فيبلغ منها الوهن المبلغ الذي صارت به فريسة سهلة ولقمة سائغة للأمم التي تتكالب عليها.

 

من المأثور أن سيدنا ونبينا ورسولنا إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين محمد عليه الصلاة والسلام سيباهي سيدنا المسيح عليه السلام في الآخرة بحجة الإسلام الغزالي، بأن ليس في الأمة النصرانية مثل هذا الحبر العظيم الذي بلغ مبلغا من العظمة يصعب تجاوزه. ولا شك عندي أن عظمة هذا الحبر الإسلامي تكمن في تشخيصه لداء علماء السوء وفي تقديمه الدواء الكامن في علم طريق الآخرة. على أن المسيح عليه السلام قد شخّص داء علماء السوء قبل الغزالي بقرون بلهجة عنيفة لا تخلو من تقريع رهيب. لقد سمى عيسى عليه السلام علماء السوء بقطاع الطرق، الذين لا يسلكون الطريق ولا يدعون الآخرين يسلكونه. وفي هذا وصف بليغ لمشايخ الدنيا وأحبار السوء الذين يضلّون العامة والجماهير ويحولون بينهم وبين الخلاص. وفي مقاربة بليغة أخرى، قارن المسيح عليه السلام علماء السوء بالأضرحة التي ظاهرها أبيض وجميل وباطنها ممتلئ بالعفن والدود والنتن والفساد. ولهذا كان أعدى اعداء المسيح عليه السلام علماء الشريعة والدين من الفريسيين المنافقين آكلي الدنيا بواسطة الدين، وليس الخاطئين والعصاة والمذنبين من جماهير المساكين المتعبين.

إذا وجدت طاغية في أمتنا الإسلامية يظلم الناس ويقتلهم وينهب اموالهم وينزل بهم النوازل والمصائب ولا يتورع عن انتهاك حرماتهم، فلا تبحث عن أصل وفصل هذا الطاغية ولا ترهق نفسك في وصفه وفي دراسة شخصيته المريضة ونفسيته العفنة وروحه الآسنة. اذهب مباشرة نحو علماء السوء من أصحاب العمامات ومناصب الإفتاء والمشيخة، وستجد أنهم هم الذين تحالفوا معه ومنحوه الشرعية مقابل دنيا يمنحهم إياها ونظير شهوات وملذات يظفرون بها عبر السلطان الظالم الآثم. الثالوث الطاغوتي المتمثل بالسلطان وعلماء السوء والرأسمال هو أساس خراب الأمة الإسلامية وبيت داء انحطاطها وتردّيها وورودها موارد تشمت الأعداء وتغيظ الأصدقاء.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة