انقلاب تونس.. هل يتدخل الجيش؟

الحديث عن ورع مؤسسات الجيش والشرطة في الدماء بات لا ينطلي على العوام ناهيك عن الخبراء من المفكرين والنخب السياسية (الجزيرة)
الحديث عن ورع مؤسسات الجيش والشرطة في الدماء بات لا ينطلي على العوام ناهيك عن الخبراء من المفكرين والنخب السياسية (الجزيرة)

قرأت حديثا كتبه أحد "المطلعين" من داخل حركة النهضة يقول فيه إن هناك حراكا دبلوماسيا وسياسيا كبيرا لتطويق الانقلاب أو إفشاله، وإن وزير الدفاع التونسي رفض الانقلاب العسكري، لذلك حوّله الرئيس التونسي إلى انقلاب أمني رفضه الأمنيون أيضا، واشترطوا دعمه إن قام بعمل سياسي استثنائي دون إدخال الجيش والشرطة في تماس مع المواطنين.

رواية درامية تراجيدية ساذجة ستكون نهايتها صادمة لكل من يؤمن بها من الحمقى والبُلْه "جمع أبله" الذين لا يتعلمون من دروس غيرهم، وتطمينات سمعنا مثلها كثيرا قبل الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي وحتى بعد الانقلاب عليه، وسمعنا شعارات رنانة من قبيل "الانقلاب يترنح"، وإمكانية حدوث انقلاب داخل صفوف الجيش يعيد الأمور إلى نصابها، وغيرها من الشعارات التي دجنت الشعوب وأفرغت حماسها حتى آلت الأمور إلى ما نراه من مآسٍ ونكبات.

الحديث عن ورع مؤسسات الجيش والشرطة في الدماء بات لا ينطلي على العوام، ناهيك عن الخبراء من المفكرين والنخب السياسية الواعية والمراقبين لسلوك الجيش والشرطة في الأنظمة العميقة، فهذه الجيوش لم تخض أي معركة من معارك العز والشرف في الدفاع عن شعوبها والمصالح القومية لبلادها، ودونكم "أزمة سد النهضة"، واحتلال الجولان السوري، واستباحة الأراضي والأجواء العراقية، واحتلال الجزر الإماراتية، وغيرها، والجيش التونسي ليس بدعا من الجيوش.

سيبقى الجيش التونسي رحيما جميلا ما لم ينزل الشعب التونسي إلى الميادين "وظني أنه لن ينزل"، لكن إن حدث -جدلا- ونزل الشعب التونسي للشوارع والميادين فسترون في سلوكه العسكري في مواجهة الشعب الأعزل كل القوة والحزم.

وإن من نافلة القول إن الجيوش العربية هي جيوش لا وطنية كما أثبتت أحداث الربيع العربي، وإن لها أجندات ومصالح خاصة لا علاقة لها بمصالح الشعوب، وترتبط مصالحها ارتباطا وثيقا بالدولة العميقة التي أسسها الاستعمار لحفظ مصالحه ومصالح الفئة القليلة من عملائه من أبناء جلدتنا، وإن تعارضت مصالح الجيوش العربية مع مصالح الشعوب فستسحق شعوبها دون رحمة.

شخصيا، أتمنى ألا يخوض الشعب التونسي هذه التجربة حرصا على حقن الدماء التي ستسفك وحفظا للأعراض التي ستنتهك، لا أقول ذلك تخويفا للشعوب من المواجهة فالحرية تنتزع ولا توهب، وإنما توجسا من تضييع التضحيات وإهدارها سدى دون تحقيق ثمرتها المنشودة، فلا يجوز الدخول في مواجهة مع جيوش جرارة بصدور عارية.

أعتقد جازما أن أزمة الأمة اليوم ليست في شعوبها، فالشعوب أثبتت أنها على قدر المسؤولية وتحملت الغالي والنفيس في سبيل انتزاع حريتها وكرامتها وقرار المستقل، وإنما مصيبة الأمة تكمن في ما تسمى النخب السياسية والفكرية التي لم تتعلم الدروس ممن سبقوها، وتمضي في تدجين الشعوب وتخديرها تحت شعارات ساذجة متعلقة بالجيش "الوطني" والقضاء "الشامخ" وغيرها من الشعارات.

ولن ينصلح حال الشعوب في بلادنا العربية والإسلامية حتى يتم اجتثاث الدولة العميقة من جذورها وهدمها على رؤوس أكابر مجرميها، ثم العمل على بناء دولة حديثة واعدة استنادا إلى مبادئ الحكم الرشيد التي أرساها ديننا الحنيف، وتعزيز مفاهيم الكرامة والعدالة والحرية، ودون ذلك ستبقى شعوبنا تعاني الذل والقهر والحرمان مزيدا من السنين والعقود حتى يكرمها الله بقيادة حكيمة واعية راشدة تعرف كيف تقود الأمة الى سابق عهدها من العزة والحضارة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة