لا تشكُ للناس جرحًا أنت صاحبه!

مُشكلتك أنك ظننت أن الحياة وردية اللون بهية الخِلقة صبوحة الشكلِ (الجزيرة)
مُشكلتك أنك ظننت أن الحياة وردية اللون بهية الخِلقة صبوحة الشكلِ (الجزيرة)

ما زلت أذكر الشاعر كريم العراقي حين كتب يقول:

لا تشكُ للناس جُرحًا أنت صاحبه .. لا يؤلم الجرح إلا مَن به ألمُ

فصارت أبياته شعارًا لي في حياتي، فلِمَ الشكوى؟ أمن ظلم وقع عليك؟ أم من حزن ألمَّ بك؟ ماذا لو لم تحدث تلك الأمور لك، مثلًا ماذا لو لم يخنك صديقك ويغدر بك، أكنت ستعلم أنه لا أمان للبشر وأن عليك أخذ الحيطة والحذر؟ فهذا الخائن علمك، نعم علمك معنى الحياة، فأنت مدينٌ له بالشكر.

لمن تشكو؟

ومِن ماذا تشكو؟

قالوا قديمًا "الشكوى لغير الله مذلة" وقد صدقوا، فحين تشكو حالك لإنسان مثلك، أتحسبه الخالق الذي سيمد يده ويُغير كل شيء؟

أم أنك تود البوح بما في نفسك؟

إذن، عليك أن تبوح بما في نفسك لنفسك، فنفسك أعلم الخلائق بك.

فإن شكوت لمن طاب الزمانُ له .. عيناك تغلي ومن تشكو له صنمُ

وإن شكوت لمن شكواك تُسعده .. أضفت جُرحًا لجرحك اسمه الندمُ

احفظ شكواك لنفسك، لا أقول: عليك بكتمها وحبسها. بل أطلقها، أطلق لها العنان، ولكن في غرفتك أمام مرآتك حيث لا يراك أحدٌ سواك. لستَ ضعيفًا.. بل قويًا.. فترفّع بنفسك عن ذل الشكوى والحاجة.

مُشكلتك أنك ظننت أن الحياة وردية اللون، بهية الخِلقة، صبوحة الشكلِ كحبيبتك التي لم تطلها يدُك، لكن الحياة غير ذلك، الحياة للأقوياء، لمن إذا ضربتهم كفًا، ردّوا لها الصفعة مرتين، والذين إذا نظرت الحياة لهم بشدة، فقأوا عينيها الاثنتين. فهل أنت من هؤلاء؟

تذكر أن عدالة الأرض كذبة، فلو كانت هناك عدالة من الأساس، لما خسرنا فلسطين، ولما مات الفقير جوعًا:

عدالةُ الأرضِ مُذ خُلقت مُزيفةٌ .. والعدلُ في الأرض لا عدلٌ ولا ذممُ

تبسمْ في وجه الصعاب، وكن كفيلسوفي الرواقي المُفضل "إيبكتيتوس" والذي -رغم عبوديته- كان صبورًا حكيمًا، فقد صبر على أذى سيده إلى حد لا تطيقه أنت، فقد قام سيده بكسر ساقه، وصار أعرج، لكنه لم يشتكِ أو يتذمر، فأعتقه سيده بعد أن سَئِمَ من هدوئه الغريب هذا، فقد واجه الحياة وظلمها بصبر وحكمة.. فصار أحكم الفلاسفة. فهل أنت مثل صديقي "إيبكتيتوس"؟

ستقول: أُريد ان أكون ناجحًا مشهورًا؟

وهل النجاح عندك يعني الشهرة؟

إذن، لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، فالشهرة يا صديقي كالسراب، أو الصدأ، تحسبه من بعيد لمعانًا يبرقُ، وحين تقرب منه وتتناوله بيدك، لا ترى سوى الصديد، ولا تشم سوى القيح، فالشهرة لم ولن تكون معيارًا للنجاح، فأغلب مشاهير الوطن العربي لا يعرفون عن النجاح شيئًا سوى اسمه، انظر إلى ذلك الشخص المشهور (سواء كان رجلًا أو امرأة) والذي اكتسب شهرته فقط على مواقع السوشيال ميديا، فصار بفضلها مشهورًا، واكتسب حضورًا بفضل تعليقاته وتغريداته المُثيرة للجدل على "تويتر" فصار له برنامج تلفزيوني أسبوعيًا يُذاع على أشهر القنوات العربية، هل هذا يُعد نجاحًا؟.. بل فضيحة! فهذا الشخص ليس سوى فاشل أو فاشلة، أراد أن يركب موجة "التريند" ولمّا علم أن الناس يلتفون حول الصخب والمشاكل، اتبع سياسة الضجيج، فكان له ما يُريد من الشهرة والوجود، لكن النجاح.. لا.

فقد خسر هذا الشخص تقدير الناس له واحترامهم، بل وحامت حوله الشبهات والتي أودت بحياته الخاصة إلى الحضيض! وهناك عدد من الإعلاميين والإعلاميات من ينطبق عليهم ذلك المثل، فهل تريد أن تصير مثلهم؟

الحياة البسيطة

هل ستصدقني يا صديقي إن قلت لك: إن الحياة لا تريد منك سوى أن تعيشها؟

ستقول: كيف أحياها؟!

الحياة أسلوب، وقد ظلمّنا أهلُنا حين قاموا بحشو أدمغتنا بمجموعة من الجمل والعبارات والكتب. فبدل من أن يعلمونا كيف نعيش علمونا كيف نتكلم، أو ما يُسميه الفيلسوف سعيد ناشيد "وهم المعرفة" فقد قال الفيلسوف الرواقي سينيكا:

"لأساتذتنا أخطاء عندما يُعلِّموننا؛ إنهم يعلموننا الجدال ولا يعلموننا الحياة، والطلاب أيضًا يخطئون، الذين يُقبلون على الأساتذة ليتعلموا، بدل أن يبحثوا عن الفلسفة -دراسة الحكمة- يبحثون عن فقه اللغة (دراسة الكلام)".

تعالَ أُخبرك ما هو الأسلوب الأمثل لتعيش الحياة؛ إنه أسلوب الحياة البسيطة، ذلك الأسلوب قال عنه نيتشه:

"إن نمط الحياة البسيطة هدف بعيد للغاية بالنسبة لي، وسأنتظر حتى يأتي أناس أكثر حكمة مني ليعثروا لنا عليه".

الحياة البسيطة صعبة البلوغ وليست سهلة كما تظن، فأهم شيء فيها أن تتقبل ذاتك كما هي بل وتعشقها، ومِن عشقك لها ستتمنى الأفضل دائمًا، والنجاح -الذي تبحث عنه- سيكون في تلك الحياة، خاصة لو تركت أثرًا طيبًا في نفوس من حولك، فتكون محبوبًا وسط الناس على نطاق العلاقات الإنسانية في الحياة الواقعية وليس في الحياة الافتراضية (السوشيال ميديا) حيث عالم الكذب والنفاق والغش والخداع.

الحياة أن ترى البساطة في كل شيء، تلك البساطة التي صار الناس يتحاشونها، فقد قال شبلي شميل عن تلك البساطة:

"الناس حتى اليوم يكرهون البساطة في كل شيء سواء كتبوا أو تكلموا أو عملوا، ويُدخلون الخيال الغريب لا في مباحثهم العلمية والأدبية والدينية فقط، بل في سائر أمورهم الاجتماعية، حتى التافهة جدًا أيضًا، فإن تصوروا ملكًا أو حكامًا أرادوهم بكل مظاهر الأُبهة ولو ظهروا فيها بمظاهر المساخر، كأنه لا يصح أن يكونوا ببساطة أزياء العالم".

لأضرب لك مثالًا بسيطًا على روعة وبساطة العيش، رغم كل الظروف القاسية التي نمر جميعنا بها؛ من ظروف اقتصادية وصحية واجتماعية وغيرها، دع كل ذلك جانبًا وقف أمام محل لبيع المُثلجات واشترِ لك "آيس كريم".. واستمتع به وكأنه آخر ما يدخل جوفك وكأنه حظك من الدنيا فقط، تخيل أنها فرصتك الأخيرة، فانتهزها على أكمل وجه غير عابئ بأي شيء. هل فعلت ذلك من قبل؟

فعلتها أنا.. واكتشفت أن الدنيا أحقر وأدنى من أن أُتعب وأجهد نفسي فيها، فصرت كل نهاية أسبوع أشتري "الآيس كريم".. وأنا سعيد بذلك، فهل أنت مثلي؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة