التعرفة الجديدة للجيل المعاصر..

نحن أمام جيل من نوع خاص يحتاج إلى التعمق في فهمه وتحليل مشاعره (الجزيرة)
نحن أمام جيل من نوع خاص يحتاج إلى التعمق في فهمه وتحليل مشاعره (الجزيرة)

التحليل المنطقي لأي واقع يعطيك دلالة واضحة على موجودات الواقع، والمدخلات السليمة في علم الإدارة يقودك للمخرجات السليمة، وهذا معناه بالضرورة أن تكون لدى المرء القدرة الحقيقية على الخلوص للنتائج السليمة إذا استطاع الوصول إلى البيانات والمعطيات الحقيقية، واستطاع الوقوف عليها بلا تعديل ولا تزوير، ومن دون إفراط ولا تفريط، لتكون المقدمة الأساسية للتحليل السليم والمثمر والمنتج، وهذا القانون يسري على المنتجات والمؤسسات والأفراد والشعوب على حد سواء.

نحن اليوم أمام جيل يختلف بالكلية عن الجيل الذي سبقه، وحتى داخل الجيل المعاصر اليوم -وأعني الجيل الشبابي- هناك تيارات معرفية وفكرية وثقافية تختلف من شريحة إلى أخرى، وهذا الواقع الذي يختلف تمامًا عن القراءات العلمية السابقة والعامة التي كنا نقرؤها ونتعرف إليها سابقا؛ يجعلنا ملزمين بتجديد المعرفة التفصيلية بطبيعة الجيل وتوجهاته وميوله وثقافاته الذاتية، وأن نتعرف إليه عن قرب لنقرأ ما وراء صمته الغريب.

نعم، هو صمت غريب بالفعل؛ فخلف هدوء هذا الجيل بركان من النفور من الواقع، وطوفان من التشكيك في كل المسلمات التي كانت موجودة لدى الأجيال السابقة، فهو جيل غريب بالفعل في صمته وتفكيره، فلديه ديناميكية فهمه للحياة وتعامله معها، فهو جيل التكنولوجيا المعاصرة، يتقن معظم فنون الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ولكنه مغيّب عن الحقائق الكاملة نتيجة التشتت في المعلومات التراكمية التي نالها نتيجة ظروف وعوامل الواقع السياسي والاقتصادي والأزمات، فهو يمتلك قوة في بعض الجوانب؛ وبعض القوة في جوانب أخرى، وهو غائب عن الحقيقة في بعض الملفات التي بات الشباب يجدها بعيدة عن ميوله وتوجهاته.

لقد قمنا ببعض الدراسات والأبحاث خلال السنوات القليلة الماضية، عبر بعض المؤسسات الاستشارية التي تعاملنا معها، وأصابنا الذهول من القراءات والأرقام التي تحصلنا عليها من تحليل هذه الاستبانات والدراسات التي شملت أكثر من دولة، فالقراءات المتقاربة لتوجهات الشباب وميولهم الفردية تقودنا مباشرة إلى أننا أمام جيل من نوع خاص، جيل يحتاج إلى التعمق في فهمه وتحليل مشاعره، وفهم نظرته الذاتية للمجتمع والدين والحياة والأولويات، فهذا الجيل لديه نظرة خاصة بالفعل تجاه كل القيم التي كنا نظن أنها ثابتة راسخة، تكاد في مجملها تخالف ما نعرفه ونتوقعه.

ولعل من أهم مخرجات قراءات الواقع اليوم أن المجتمعات العربية لا ولن تستطيع تحقيق أي نوع من النهضة والرقي من دون عنصر الشباب، وهذا الشباب اليوم ينصب سورًا كبيرًا بينه وبين المجتمع بصمت وهدوء، يغرق في عالم الإنترنت بعيدًا عن الواقع وبعيدًا عن الموروث الثقافي والمجتمعي، يتواصل في ما بينه بأساليبه ووسائله الخاصة؛ كالسيل الذي يبحث عن مسالكه في قعر الوادي؛ يسير بصمت، ولكنه يحمل في ثناياه الزبد والماء والخير والشر مجتمعين، فمن استطاع الوصول إلى الشباب اليوم وصل للخير العام، ومن تناساه وانشغل بملهيات الحياة وابتكر أولويات بعيدة عن الشباب فسيجد نفسه يمسك بيده الهواء، وسيجد حصاد جهده يصل إلى الصفر الكبير.

هي صرخة أوجهها للعقلاء في كل مجتمع، بتغيير منهجيات فهم وتحليل وخطاب الجيل المعاصر، هذا جيل خاص، بمواصفات خاصة، بعقلية خاصة تمامًا، يفهم ما يشاء كما يريد، وحجم الهيمنة على عقله وسلوكه آخذة بالتآكل نتيجة عيشه في عالمه الخاص منسلخًا عن المجتمع الذي عاش فيه، جيل لم يجد الإجابات الشافية لأسئلته حتى يحدد مساره، فهو يمضي من دون بوصلة، ولا يمكن تحديد توجهه المستقبلي إلا لمن يملك خطابه الناضج العقلاني، لا من خلال الجهل والعشوائية والخطاب العام، بل من خلال الخطابات الموجهة مباشرة للشباب بأسلوب الشباب ولغة الشباب ومنهجية الجيل المعاصر.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة