فلسفة كرة القدم.. بين الحياة والموت

كرة القدم هي مثال واقعي عن تناقضات الحياة بين اليأس والأمل (الجزيرة)

 

"لا يكون الإنسان صادقا إلا إذا كان متناقضا"، أؤمن كثيرا بهذه المقولة، فالحياة هي عبارة عن جملة من المتناقضات وكرة القدم هي مثال واقعي عن تناقضات الحياة بين اليأس والأمل، الحياة والموت، الأبيض والأسود.

في لحظة واحدة لا تكاد تقاس بالزمن حتى تتحول الحياة لموت أو يتحول الموت لحياة، الأسود الذي كان يعبر عن الموت يتحول فجأة لأبيض جميل يعبر عن تجمع كل الألوان التي تدل على رونق الحياة وبهجتها.. إنها حقا تناقضات الحياة وتجسدها كرة القدم بكل براعة.

في الدقائق الأخيرة من كل مباراة تتكرر تقريبا المشاهد ذاتها.. جماهير خائفة تعد الدقائق والثواني وتترقب عقارب الساعة في تناقض صارخ.. دقائق تكاد تكون سنوات والدقائق نفسها تكاد تكون سرابا.

الدقائق القاتلة

ما إن يرفع الحكم الرابع لوحة الوقت بدل الضائع حتى تبدأ مباراة أخرى مباراة بين جمهورين متناقضين متنافرين، جمهور يشعر وكأن عقارب الساعة قد توقفت ولا تكاد تتحرك أو أنها لا تريد ذلك وكأن كل دقيقة منها تساوي سنة أو يزيد، أما الجزء الآخر من الجمهور فتكون هذه العقارب هي أولى أعدائه والتي تكاد سرعتها تفوق سرعة الضوء، تناقض صارخ محير.. نفس الملعب، نفس الزمان، نفس المكان لكن شعورا متناقضا، ولو استطعنا قياس هذا الفارق بين الشعورين لكان يساوي المسافة بين السماء والأرض.

أعين تترقب.. قلوب تنبض بسرعة من أجل لحظة واحدة.. لحظة عبور الكرة خط المرمى، هي اللحظة المقدسة، هي اللحظة المنتظرة، هي بمثابة كل شيء الهدف المنتظر والنشوة التي ينتظرها المشجع رغم أنه في كثير من الأحيان لا تلبي الكرة رغبته وتكون عاقة وناشزة فتأبى أن تعبر ذلك الخط الفاصل.

الخط الذي يفصل بين الحياة والموت، الأمل واليأس عند عبور الكرة ذلك الخط، ولو استطعنا تصوير تعبيرات وجه كل مشجع لكانت أقرب للحظات جنون وصراخ بأعلى الصوت، قفز، هتاف، تصفيق، رقص وحتى بكاء وعناق، ولا أكاد أرى في الحياة ما يجمع بين كل هذه المشاعر المتضاربة إلا كرة القدم.

نهائي 99 .. النهائي الحزين

في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 1999 في ملعب الـ"كامب نو" في برشلونة واحد من أكثر النهائيات دراماتيكية وواحد من النهائيات التي بقيت راسخة في ذهني ولن أنساها ما حييت.

قدم نادي بايرن ميونخ واحدة من أفضل مبارياته على الإطلاق وسيطر سيطرة كاملة على المباراة وكان هو الفريق الذي يستحق الفوز لكن الكرة عاندته ورفضته.

تقدم في النتيجة وخلق أكثر من فرصة سانحة للتسجيل وأصابت كرتان، واحدة القائم والأخرى على العارضة الأفقية، لكن رغم كل هذا خسر المباراة بطريقة أكثر من قاسية، خسر المباراة في دقيقة واحدة تقريبا وتلقى هدفين متتاليين وكأنهما بمثابة رصاصتين قاتلتين في القلب.

تناقض هذه المباراة عجيب غريب في دقيقة واحدة انقلب كل شيء من النقيض إلى النقيض، ففريق البايرن ميونخ الذي كان لاعبوه يتأهبون لرفع الكأس والتتويج بها يصبحون هم الفريق الخاسر.

ولاعبو مانشستر يونايتد يصبحون هم الأبطال في دقيقة واحدة انقلب كل شيء، أصبح الأول ثانيا والثاني أولا، وأصبح نائب البطل هو البطل، والذهب تحول لفضة والفضة أصبحت ذهبا.

وقد قال الحكم الإيطالي الشهير كولينا الذي أدار هذا النهائي عندما تم سؤاله عن أعظم لحظة في مشواره التحكيمي "كانت آخر دقيقتين، رأيت لاعبي البايرن في مقاعد البدلاء يستعدون للاحتفال باللقب، الجماهير سعيدة في الملعب بتتويج فريقهم بلقب رابطة الأبطال، فجأة سجل مانشستر هدفين في دقيقتين وقلبوا النتيجة".

وتابع كولينا "لن أنسى أبدا كيف كانت مدرجات الإنجليز تعج بضجيج عظيم كأنها أسود تزأر، بينما كان هناك صمت جنائزي في مدرجات البايرن، كان لاعبو المان يونايتد يحتفلون بهدفهم الثاني بشكل هستيري، في حين رأيت أحد لاعبي البايرن ساقطا على الأرض يائسا تماما وهو يشعر بخيبة عظيمة، اقتربت منه ولم أجد ما أقوله له سوى، انهضوا وقاتلوا ما زال لديكم 20 ثانية!!".

في تلك اللحظة رأيت الوجه الحقيقي لكرة القدم، الموت والحياة في ملعب واحد.. أناس يحتفلون بجنون، وأناس يائسون حتى الموت!