شعار قسم مدونات

نجم المصنفات الفلكية ورائد المخترعات الوقتية

مسجد شنقيط في موريتانيا صنفته اليونيسكو تراثا عالميا
خريطة تنقل العالم ابن سليمان لم تتوقف في الأستانة بل امتدت جنوبا تلقاء مصر فدخلها طالبا ملاقاة علماء الأزهر الشريف (مواقع التواصل الاجتماعي)

سعدت حاضرة تارودانت سنة 1037 هجرية، الموافق لسنة 1628، بميلاد نجم العلوم وحكيم الفقهاء محمد بن سليمان الروداني، وهي يومئذ أهم قواعد المغرب الأقصى، ومهد الدولة السعدية، فعاش سنوات في ظلال حكم أقوى سلاطينها، وألمع محطات انتصاراتها وتمدداتها الأفريقية، كما عاصر لاحقا أخطر اللحظات والأزمات التي عصفت بها، فكان أن عانى من اختلال الوضع السياسي في البلاد وتفرق الكلمة واندلاع الانتفاضات المحلية، وكثرة الإمارات الحاكمة، أو ما يطلق عليه المؤرخون "ظاهرة الإقليمية". وفي ذلك الجو المشحون الذي يطير بلبّ العاقل والعالم، انتحى العلامة الروداني جانبا، وواصل انكبابه على العلوم المعارف، والتنقيب عن إرث السابقين، والنهل من معين علماء تارودانت الذين عاصروه وأولئك الذين قضوا نحبهم قبل مولده.

كانت حياة مترجمنا حافلة متوثبة متعبة في آن، ففي كتاتيب تارودانت حفظ القرآن الكريم، وتلقى تعليمه الأولي في اللغة العربية والفقه والتفسير، كما درس بالجامع الأعظم العريق في تارودانت. ويذهب الدكتور مصطفى بن عمر إلى القول إن ابن سليمان الروداني غادر بلدته تارودانت في سن مبكرة جدا، منتقلا إلى مراكش وهو ابن 11 سنة لتلقي العلم، وكان هذا دخوله الأول إليها. ولما بلغ سن الرشد، انتقل إلى درعة، ولازم أصلح علمائها وأفقههم سيدي محمد بن ناصر الدرعي مدة 4 سنوات، وكانت له عودة إلى مراكش مرتين أخريين، ثم ارتحل إلى سجلماسة، مركز العلوم في العصر السعدي، ومنها إلى تادلا حيث كرع من رياض شيخها المربي محمد بن الحسن الدادسي التربية والتصوف، ولازم الشيخ متعبدا طالبا بركته، صعودا إلى الزاوية الدلائية البكرية العريقة التي لقي بها جمعا من علماء الوقت، إذ تتلمذ على يد الشيخ الدراكة محمد بن محمد المرابط سيد قومه في مجال اللغة والبلاغة والنحو. وعدد العلامة محمد الحضيكي في "طبقاته" من شيوخ العلامة الروداني: القاضي الفاضل عبد الرحمن التمنارتي، والفقيه بلقاسم بن أحمد الهزالي، والفقيه يحيى بن سعيد الحاحي، وشيخ الجماعة عيسى السكتاني وغيرهم، ممن ازدهرت بفضل جهودهم الحركة العلمية والأدبية والشرعية في الطور الأول من عمر الدولة السعدية.

منذ هذه الرحلات الأول؛ صارت حياة عالم تارودانت على جواده، مرتحلا متنقلا طالبا ومطلوبا، رحل صوب فاس العالمة، حيث شاءت له الأقدار أن يلتقي بمن سيكون له أعظم الأثر فيه من ناحية إتقان العلوم العقلية والمنطق؛ نقصد الشيخ محمد بن سعيد الميرغتي الخصاصي. وبعد غيبة دامت 8 أعوام في سبيل طلب العلم والتربية والتزكية، عاد إلى مسقط رأسه، ومراتع صباه مدة وجيزة، ثم ارتحل عنها ارتحاله الأخير صوب مراكش، ومنها إلى المشرق العربي، مارا بالمغرب الأوسط (الجزائر)، فقضى بها نحو عامين، تلاها بدخول أفريقية (تونس)، وعبر منها راكبا البحر إلى عاصمة الخلافة العثمانية إسطنبول، وحدثت له هنالك حكايات ومواقف تطرق إلى تفصيلها العلامة أبو سالم العياشي في رحلته "ماء الموائد"، والدكتور مصطفى بن عمر المسلوتي في كتابه الصادر عن الرابطة المحمدية للعلماء بعنوان "محمد بن سليمان الروداني حكيم الإسلام ومفخرة المغرب".

خريطة تنقل العالم ابن سليمان لم تتوقف في الأستانة، بل امتدت جنوبا تلقاء مصر، فدخلها طالبا ملاقاة علماء الأزهر الشريف ونيل الإجازات منهم، واتجه إلى الصعيد، فتزوج ورزق 5 أبناء، واستقر مدة يسيرة من الزمن، إلى أن واتته فرصة عبور البحر الأحمر باتجاه بلاد الحجاز. فدخل مكة حاجا، وقصد المدينة المنورة سنة 1068 هجرية، وقطن في رواق "منعزلا عن الناس لا يخرج إلا ليلا" كما ذكر صاحب كتاب "صفوة من انتشر"، وبقي نسله في مكة المكرمة إلى يومنا هذا.

وبعد مدة من مجاورة الحرمين الشريفين اللذين استحوذا على قلبه وشغف بهما حبا؛ زاول التدريس، واشتغل بالتصنيف والكتابة، إلى جانب مزاولة بعض الأعمال اليدوية لتحصيل الكسب ولقمة العيش. وفي مكة أيضا، تولى مهام اجتماعية وإصلاحية لفائدة شريف مكة، إلى جانب الفتوى والإمامة. ومن شيوخه الذين أخذ عنهم في تلك الرحلة العلمية الطويلة وكان لهم بالغ التأثير في تكوين شخصيته العلمية، نذكر: أحمد بن عبد الحميد المريد المراكشي (ت 1048هـ)، وأبو عبد الله معن الأندلسي (ت 1062هـ)، وشهاب الدين القليوبي (ت 1069هـ)، والشيخ سلطان بن أحمد المزاحي (ت 1075هـ)، والإمام برهان الدين الميموني (ت 1079هـ)، والفقيه عبد الرحمن الزناتي المحجوب (ت 1085هـ)، وتقديرا لمشايخه في المغرب والمشرق وأرض الكنانة، خصّهم لاحقا بفهرست مهم وضعه تحت عنوان "صلة الخلف بموصول السلف"، وهو مطبوع ومحقق من لدن البحاثة الراحل محمد حجي رحمه الله.

دخل الروداني القسطنطينية عاصمة السلطنة العثمانية سنة 1671، وحظي بمنزلة كريمة لدى النخبة السياسية والدينية بالمدينة. ثم في سنة 1081 هجرية، عقد العزم على زيارة ثانية لإسطنبول، فمرّ بدمشق والرملة، قاصدا الباب العالي لوضع شكاية ضد شريف مكة سعد، والمطالبة بعزله واستبداله بشريف آخر. ومكث سنة كاملة في ضيافة الوزير مصطفى بيك، محاطا بالحظوة والاهتمام من لدن العلماء والنخبة العثمانية. وتحقق له ما أراد، فصدر أمر سلطاني بعزل الشريف سعد وتعيين السيد بركات شريفا جديدا لمكة المكرمة، وبتولية العلامة الروداني مقاليد الحرمين الشريفين، شرع في إدخال إصلاحات متعددة بلغت ميادين الوقف والحسبة والتعليم والتربية بتنشيط الحركية التعليمية في الحرمين، والمجال العمراني والإداري والسياسي، كإصلاح القضاء والنظارة. وكان العلامة الروداني على رأس الشخصيات العلمية الرفيعة الدائمة الحضور في المناسبات الدينية والسياسية والاستقبالات الرسمية ووفود الحجاج، وكذلك المجال الاجتماعي.

إلى جانب هذا، عرف السيد الروداني بالعصامية والكفاح في سبيل العلم والعمل، والوقوف عند الحق والجهر به، والدفاع عما يعتقده صوابا، والزهد، والابتعاد عن الشهرة والتكلف، وكان جليل المكانة والحضور بين أهل بلده وعامة المشرق وعلمائه.

أما الجانب العلمي في سيرة الرجل، فيرتقي إلى مراقي النبوغ، تشهد له بذلك مؤلفاته العديدة، مثل "جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد"، وكتاب "الجمع بين الكتب الخمسة والموطأ"، و"أوائل كتب الحديث"، و"مائة حديث في الترغيب في اصطناع المعروف"، و"حاشية على تسهيل ابن مالك"، و"جدول العروض"، و"بهجة الطلاب في العمل بالإسطرلاب"، و"تحفة أولي الألباب في العمل بالإسطرلاب"، و"رسالة في رسم الإسطرلاب بالهندسة في الهيئة"، و"قلائد اللآلي في عمل الأيام والليالي" وهي منظومة شعرية في علم الفلك، وكتاب "تبصرة الإخوان في الهيئة"، مع تميز واضح ورائد في مجال الفلك، الذي أتى فيه بما فاق الإبداع -وفق مقاييس عصره- يوم صنع الإسطرلاب والآلات الوقتية في جنوب المتوسط بالتوازي مع انطلاق عالم الرياضيات الفرنسي باسكال في شمال المتوسط في صناعة الآلة الحاسبة.

جمع الروداني بين العلم والعمل، فكان يخترع ما يقرأ عنه ويطبق النظريات التي يتوصل إليها، لا سيما في الفلك، فصنع إسطرلابات وساعات وأرباع ودوائر الأوقات وغيرها، فضلا عن اختراعه الكرة الفلكية التي أتى فيها بالعجب العجاب، فنا وضبطا وإخراجا؛ أطلق عليها "الآلة الجامعة"، "تغني عن كل آلة تستعمل في فني التوقيت والهيئة"، على حد تعبير أبي سالم العياشي في الجزء الثاني من رحلته (ماء الموائد).

كان ابن سليمان صاحب ذهنية علمية فذة، اعتمد النقد العلمي والمنهجي في التعاطي مع علم الفلك وتراث العرب واليونان فيه، وانكبّ بهمة الباحث الشغوف على قراءة أعمال حكماء اليونان وفلاسفته المترجمة إلى العربية، مع إيلاء كبير العناية بـ"المعقولات" التي كانت هي "التخصص الدقيق للعلامة الروداني"، حسب رأي المؤرخ الراحل محمد حجي.

وكأي عالم مشارك بعلومه؛ لم يبخل ابن سليمان على الأجيال بتلقينها طرائق اختراعه آلة التوقيت، بل وضع رسالة للناس تستفيد منها عنونها بـ"النافعة على الآلة الجامعة"، صدرت في طبعتها العربية أول مرة سنة 1973 بدمشق، واعتنى بها ونقلها إلى الفرنسية الباحث شارل بيلا.

وتشهد له أيضا بهذا النبوغ ألسنة من عرفوه ووصفوه في أقوالهم وكتبهم، فهذا محمد الصغير الفاسي في "المنح البادية في الأسانيد العالية" يصفه بـ"الشيخ العالم، حكيم الفقهاء"، في حين رفعه إلى مقام الطبقة الـ22 ضمن أعلام المالكية المغاربة المشهود لهم بالكفاءة الشيخ محمد بن مخلوف في مرجعه المعروف "شجرة النور الزكية في طبقات المالكية" (انظر ترجمته في الكتاب، تحت رقم 1231)، ووصفه الأديب العلامة عبد الله كنون بـ"الفيلسوف الفلكي البارع"، وحلّاه المختار السوسي في "رجالات العلم العربي في سوس" بـ"مفخرة المغرب (..)، ألّف النفائس (..)، وروى عن الكبار"، وقال عنه الدكتور مصطفى المسلوتي "أنتج الكتب والمصنفات، وأبدع أروع الصنائع والمخترعات، وترك في مجالات الإصلاح كثيرا من البصمات"، في حين خصّته موسوعة "معلمة المغرب" بترجمة في الصفحة 4466 جمعت فيها ما تناثر من تراجم وشهادات في مصادر المغرب الوسيط والمعاصر، وكلها تؤكد أن الروداني بلغ في كثير من العلوم حدّ البراعة، وجمع بين المنطق والفلك والكيمياء والحكمة والحديث وتراجم الأعلام وعلم الحديث والتفسير وأنواع الحساب.

أما من تتلمذوا على يدي العلامة الروداني فهم أبلغ في الشهادة على تفوق الرجل ونبوغه، وهم تلامذة كثر، يضيق المقام عن ذكر أسمائهم، نستحضر من بينهم: أبو بكر الشلي، وأحمد بن تاج الدين الدمشقي، وعبد الله بن سالم البصري، وإبراهيم الكوراني، وأحمد الحبشي، وأحمد النخلي المكي، وإدريس بن صالح الخطيب، وخير الدين المدني، وعبد الرحمن الفاسي، وعثمان النحاس، وابنه الذكي النبيه محمد الروداني، وعدد آخر من أشهر تلامذته النبغاء على امتداد الخريطة العربية الإسلامية.

ومن أبرز الشخصيات التي عاصرت مفخرة الإسلام الروداني والتقته في المشرق وحاورته وعرفته عن قرب وعرفتنا به؛ العلامة الرحالة المغربي الشهير أبو سالم العياشي، الذي أكد لنا تضلع الروداني في علوم عديدة، ووصفه بـ"حكيم الإسلام"، و"أحد العلماء الأعلام"، "المتوقد فطنة والمتوهج ذكاء، والممتلئ حكمة وإيمانا (..)، حقق علم التنجيم (..) والحساب، وله قصيدة في علم التوقيت، أتقن فيها الفن غاية الإتقان".

في كل علم تراه فردا .. أدرك آحاده وجدد

إن الفقيه المستوعب للمذاهب الأربعة، والمختص في الصناعة الحديثية، والعالم المهتم بالكيمياء والفلك، والرحالة الجواب للآفاق، والأديب الناظم للأرجوزات والقصائد، والصوفي الإصلاحي السمح خليق بأن يعتز به كل مسلم، وكل مغربي، وأن تفخر بكتاباته وجهوده التجريبية والعلمية بلاد العرب.

أدركت الوفاة ابن سليمان يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1683، مغتربا عن أرض الوطن، فدفن أسفل جبل قاسيون، بسوريا، كما وصى بذلك رحمه الله.