شعار قسم مدونات

عبر زجاج معتم..

إننا نندفع جدا، ثم نصل للحظة نكتشف فيها مدى اندفاعنا، ثم نبدأ برسم خط العودة (بيكساباي)

لمدة تزيد على 5 أعوام، ظل يراودني حلمٌ قاسٍ للغاية، تتناوب معه أحلام أخرى لا تقل عنه بشاعة، وتحديدا هذا الحلم حيث أكون في مكان مظلم، يشبه سفح جبل تغطيه أدخنة سوداء، وفجأة يظهر أمامي ذئب مبهم الملامح ينهشُ جسدي حتى يصل إلى وجهي ويفصل جلده عن لحمه، يُسمع خطى أحدهم يقترب، في اللحظة التي يرتمي الذئب على ظهره متظاهراً بالألم نتيجة مقاومتي. أشرع بالتمسك بيد هذا الشخص في محاولة للنجاة، لكنه ينشغل بالذئب عن إنقاذي، ويقرر حينها دفعي من على الجبل.. تفاصيل هذا الحلم مؤلمة للغاية.

رغم كوني نائما فإنني كنت أشعر بكل شيء، بمدى ارتفاعي عن الأرض، وبقوة يد هذا الشخص وهي تدفعني للسقوط، ومحاولاتي التمسك. ضربات قلبي المتسارعة تثبت أن يدي أفلتت، وبالفعل بدأت أسقط بقوة وبسرعة عالية. أمر بلحظات خاطفة تبتعد فيها السماء عني، وها أنا قد أوشكت على الارتطام بالأرض، ثقب أذني صوتٌ عالٍ، ثم استقررت صريعا.

استيقظت في الصباح وخضت حربا ضارية لم أكن فيها على قدرٍ كافٍ من القوة للمقاتلة، لكني للأسف تنازلت هذه الليلة، قررت التنازل حينها، راوغت نفسي قائلا لعلني أحارب غدا، بل تكفيني تلك المعارك التي أخوضها مع نفسي كل يوم، وأن أقبل أن أهُزم وأن أعود ويداي خائبتان من المحاولة، وأني لن أصل لما أسعى إليه، بينما أرى الأمور وهي تَبعُد عني، أقول هذا وأنا بداخلي لا أدري أيطول هذا الاستسلام أم يَقُصر!

وأكاد أجزم أن لا قدرة لدي على وصف شعورٍ كشعوري بالخوف. شعور متعمق بداخلي، تتشربه كل خلية من خلاياي بحيث يصبح متملكا من روحي. مرعوبا حقيقة لا مجازا، خائفا عن كل الأيام التي عايشتها، وكل الأحلام التي انتهت، خائفاً عن كل النوائب القادمة وما تُخفي بين ثناياها، وخائفاً عن عمري الذي مضى بأكمله.

أحاول جاهدا مقاومة تلك الرغبة التي تنازعني كل لحظة في الاختفاء، خوفي من كل ما حولي، ترعبني فكرة أنني معرض كل يوم لمقابلة ما لا أطيقه وملاقاة الغدر وأنا في موضع الطمأنينة، خيباتي المتتالية تملؤني انهزاماً يوازي ما مررت به قبلاً، هذا الخوف الذي يحرق رأسي، أظل أفكر كيف أطفئه كل يوم، وعلى جهل مني كنت أعطيه البارود ليحترق.

غاضبٌ جداً، غاضبٌ بشكل يجعل أسناني تُكسر بعضها البعض، في المكان والزمان الذي لا يصلح فيهما الغضب.

هذا الخواء الأجوف المقيم في صدري، صدى نداء واحد داخله يذكرني بقلة حيلتي وضعفي، يظل تَردده قرونا من الأزمنة ولا يهدأ. كان نضجا كثيرا جدا على عام واحد، كان هذا درسي الأول، كان ألماً مذهلاً، فالألم يجعل الناس يتغيرون.

شخص مثلي لم يعرف يوما ماذا تعني مشاعر متوازنة، متطرف حين يحزن وحين يفرح وحين يُكسر قلبه. كيف لمن غرق حبا في الأشياء ثم غرق فيها ألما وحسرة أن يعرف الاتزان! بل أعرف جيدا كيف يموت الإنسان مبتلى، حين يخسر توقعاته في كل شيء أراده، كيف يمكن أن يعيد طمأنينته تجاه كل هذه الخرائب ومستودعات الحروب القديمة؟!

إننا نندفع جداً، ثم نصل للحظة نكتشف فيها مدى اندفاعنا، ثم نبدأ برسم خط العودة، ثم لا نعود، لا نستطيع أن نعود، لا نعود أبدا كما كنا! لا أستطيع تخليص نفسي من الشعور بأنني لست في المكان المناسب، أنه قد فاتتني كل الفرصة الجيدة التي لا يمكن أن تتكرر أبدا، والتي لن يأتي أفضل منها أو ما يوازيها.

تمشي في الطرق التي تعرفها فتجد أنها قد خانتك وعادت متاهات، فتسلك طريقا طويلا من الأخطاء كي تصيب مرة واحدة، مرة واحدة فقط، ثم تقضي ما تبقى لك من وقت تكفر عن هذه الأخطاء! ماذا يحدث حين يصطدم العجز مع العدم، ماذا يحدث عندما تنبذك الأشياء قبل الأشخاص كل يوم، وأن تلعنك الأرض والسماء.

وفي المقابل، يطعنك أحدهم بخنجر ويُمثل بك وتبقى آثار دمائك على ثيابه عمره كله، بينما يمضي هو ولا يبالي!

الأبشع من الظلم، وما وقع في مثل هذا اليوم قبل 5 أعوام، هم هؤلاء الذين يطالبوننا بتجاوز ما حدث ونسيانه وعدم الإتيان على ذكره بحجة أن هذا يثير مشاعر البغض والألم داخلنا مرة أخرى، وأن تجاوزه سيساعدنا على المضي قدما في حياتنا. هؤلاء لن يفهموا أنه قد تم طعننا في أماننا، ويلزمنا عمراً إضافياً ومجهوداً خرافياً كي ننسى ما حدث، إنها ضريبة أن تعيش في مكان لا تنتمي له، ضريبة أن تعش حيث تخشى أن تعيش.

القوة التي عليها الآن لم تُهدَ لي مجانا، بل كلفتني قلبا بأكمله. قديماً كنت جالسا في زاويتي وأنتظر، أنتظر أن أُحَب، كنت أصرخ أحبوني.. أحبوني! أنا هنا..! ثم تخليت، لأنه مضى وقت طويل على فهمي أن المسألة الأساسية ليست المحبة، تم صب شخص جديد يؤمن أن المسألة هي القوة.

لكل المشاعر فترة صلاحيتها، فترة يكون لها معنى بذاتها هي وحدها، لا يعوضها شيء، بعدها لا تعود مهمة كما كانت مرة آخرى، لذلك أنا لا أعترف بـ"أن تأتي الأشياء متأخرة خير من ألا تأتي"، بل أن لا تأتي من الأساس أفضل. إذ على الأشياء أن تحدث في وقتها وليس بعد فوات أوانها، وإلا فلا تحدث أبداً.

للأشياء المؤلمة رائحة وذاكرة ولغة، لغة لها أبجدية من سيوف لا حروف، وأصوات ننطقها عبر أيادينا من أعماق قلوبنا. انكسر قلبي انكسارات مروعة، لا تُنسى، لا تُوصف، ولا تلتئم، كانت ذكرياتنا حصوننا، هذه النهايات المبتورة لا يحميها مثل الذاكرة أحد.

كل الأسئلة التي واجهتني عاقبتني بالبحث الدائم عن أجوبتها، ماذا لو هدمت كل الطرق الملتوية، لأجبر البشر على الطرق المستقيمة، ظلت تذهلني قدرة المجرمين على انتقاد المجرمين، وثقة الزائفين وهم يلعنون الزائفين، ما زالت تدهشني الوحوش وهي تنشد البراءة.

يحركني الخوف للخلف دائماً، للتأكد أن لا خطر قريبا. في معركة الأنفس الطويلة، أنا الأمهر في الحفاظ على الصدارة حتى قبل خط النهاية بخطوة، يقصر النفس وأستسلم، رغم أنني كنت قوياً بما يكفي لتحمل الألم، لكن هذا لم يعني أبداً أنني أستحقه!

مررت بمدن من الهشاشة والغدر والمرارة، مدن من الحزن والأسى والوحشة، فأصبح ما أسعى إليه هو هدنة، بدلا من تورطي في مقاتلة كل مدينة مررت بها، هدنة مع الحذر، لأنك إن دققت فستجد مدينة خفية داخل كل مدينة، وأنا على الأقل لا أريد أن أموت في هذه المدينة.

مهما تمعن في البعد تُحسن صنيعاً، تجد أنه رغم وضوح الضوء ونفوذه في شق العتمة، فإنه أنار طرقاً ضيعتنا في النهاية، أوصلتنا إلى الهلاك والوحدة، بعدها تكتشف في نهاية المطاف أن نصف توهج المصابيح يعود إلى الظلام. كل شيء كان يعمل في خلفية الصورة على صنعي، على تكويني أنا، بذلك المزيج الغريب من البشاعة والنقص، الرغبة و الرفض، الفشل والتناقض المتكرر في كيان واحد، ولأنه لا أحد يهرب من حادثته، لذا أعتبر المرء مصنوعاً بلحظاته، وأنا بهذا فخور بمعاركي التي خسرتها بشرفٍ قبل انتصاراتي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.