شعار قسم مدونات

حينما تصبح الرياضة للجميع..

من مميزات هذا النوع من الرياضة أنّها لا تهتم بالألقاب ولا بالمنافسات، فهي تختص بالإنسان كذات جوهرية ضمن مجتمع تعتركه متطلبات الحياة الروتينية المرهقة (شترستوك)

 

أدى انتشار فيروس كورنا المستجد إلى حالة من الذعر والهلع العالمي، ليكشف للعالم البشري مدى فاعلية أمنه الصّحي في الوقاية منه، ولتظهر الحاجة الملحة في تعزيز مناعة الإنسان الذاتية، وأهمية "العوامل المؤثرة إيجابا" في تقوية بنيته الجسمانية، ولعل هوس البشر وتعلّقهم بحب الحياة والبحث عن ترياق يديم لهم الشباب والقوة، لم يترك اسما من مخابر البحث العالمية إلا طرقه سعيا وراء دواء يهب لهم الشباب المستدام، ليختبر بعد بحوثه المعمّقة والمتواصلة أنّ "سر الحياة" يكمن بالعودة إلى الطبيعة، والعمل على تفعيل "النشاط البشري" برياضات متنوعة من شأنها أن تنظم دورته الحياتية.

 

شوارع مليئة بالحياة.. رفاهية بسيطة

مع الإغلاق الشامل الذي فرضه تفشي جائحة كوفيد-19 وإقبال الناس لاقتناء ما هو صحي من طعام؛ انتشر في شوارع وساحات الميادين العامة رياضة "ستريت وورك آوت" (Street Workout)، أو ما سميت فيما بعد بـ"رياضة الشوارع" لما تحمله من مظاهر مرتبطة بالرياضة ذاتها، وقبل الحديث عن التغييرات التي أحدثتها رياضة الشوارع ودورها في رسم حياة مليئة بالتفاؤل والمتعة، سنبحث معنى أن تكون "الرياضة للجميع" وفرص إتاحتها مع المستجدات الحاصلة لفيروس كورونا، ولتقريب الصورة أكثر يمكننا تقديم تعريف موجز لها، كونها "لعبة تجاوزت حد التنافس كي ترقى بالإنسان نحو التسامي في الحصول على توازن صحي، وفق رغبة مشتركة لا تعبأ بالفروقات الاجتماعية والاقتصادية بين الأفراد ذكورا كانوا أو نساء"، وغرضها الأخير تحصيل السّعادة وشيء من الرفاهية البسيطة.

ومن مميزات هذا النوع من الرياضة أنّها لا تهتم بالألقاب ولا بالمنافسات، فهي تختص بالإنسان كذات جوهرية ضمن مجتمع تعتركه متطلبات الحياة الروتينية المرهقة، وعندما يتعلق الأمر بجوهر الإنسان فإنّ نشاطه الجسماني مرتبط بشكل وثيق في تمرين جانبه النّفسي للتخلص من الشوائب والطاقة السلبية المضعفة لمناعته الروحية والجسدية، ويكمن ذلك الارتباط في خلق توازن بين النشاطين الروحي والبدني، كون الرياضة لم تعد نشاطا ترفيهيا يعتكف على ممارستها الراسخون في نحت أجسادهم، أو أولئك الممارسون لها على أنها وسيلة لتحصيل مردود مادي نفعي سرعان ما تتلاشى نشوته، بل إنّها باتت شكلا من أشكال "الالتزامات اليومية" للنشاط البشري، وضرورة رسختها حاجة الإنسان للاستمرار بكيان متوازن وقوي، ضد ما تستحدثه الطبيعة من تقلبات غير اعتيادية مهددة لسلامة بنيته الجسدية والروحية، فالرياضة تمنح الذات البشرية شعورا بالقوة والاستقلال والحرية ولو لحظة عابرة، حيث ترتقي الروح عند لحظة "الشعور بالقوة" إلى درجات السعادة والرضى، فالإنسان مع ضعفه الأزلي لا يتوانى في خلق أسطورة بشرية لها من الاستمرار ما يصرفها عن الانشغال في مصيرها المحتوم، حيث القوة تبلى والعلل تفنى.

 

هذا النوع من النشاط البدني استعاد الاهتمام به في وقت تداعى العالم البشري نحو الانعزال والغلق التام، والتوجه لفردانية لها من النتائج السّلبية على روابطه الاجتماعية والذاتية ما لخصته الجائحة في ظروف استثنائية، أعادت صياغة منظومة العولمة المهيمنة على الرغبة البشرية في الاستهلاك والاقتناء، وبسبب العصرنة وتطور النظام الحياتي للإنسان وعزوفه عن الاستخدام الرشيد لأدوات التواصل والإنتاج الطبيعية، بأخرى صناعية وتكنولوجية قلّصت من قدرات بنيته الجسمانية والنفسية في فهم ما يحيط به؛ تواءم خوفُ الإنسان من فقدان صحته مع ظلمه لنفسه، حتى بات العالم متخما بالرغبة في الحصول على أيّ شيء وبشراهة متزايدة تقهقرت بموجبها قدراته الطبيعية.

ومع هذا الفيض من الإنتاج في السّلع والخدمات وانتشار "الرفاهية العمياء"، التي لا تهتم بالقدر المشترك بين النّاس لضمان حياة عادلة ومتكاملة وفق ضروراتهم المعيشية والترفيهية، بل إنّ ما استجدته الرفاهية العمياء كان عبارة عن عالم بشري مترامي النشاط والحركة، بلا رقيب، مهووس بالكسب اللاأخلاقي، لا يُسمع به صوت للعقل ولا مكان به للحقيقة، كان كأوشال تركض تباعا خلف الحياة تستعبد الأشياء طلبا للأبدية، لتضيع أنفاسه بين نهايات بائسة أو حياة لم تستوف معانيها.

هي رفاهية عمياء قوامها حروب التخمة التي فرضها الاقتصاديون والسياسيون لهندسة عالم تتلاطمه الشهوة العابرة والتفكير المَرضي، وحينما وضعت الجائحة أوزارها ودقت أجراس الوباء تكشّف الزّيف الذي تلونت به الحضارة البشرية، وبان هوانها للمرض الذي غزا جسدها العاري فاتكا بالملايين من بَنيها، وهم يتخبّطون في دياجير ما أنتجته حضارتهم من محن، حتى إذا ما أُلقي المال من على أسوار الأبراج العاجية، تهاوى مجد صنائعها وهي ترقب إخفاق مناعتها في ردع الوبـاء.

جدير بالذكر أنّ "طلب السعادة" فيما ينشغل الإنسان لتحقيقه؛ لا يأتي في "اللذة الممنوحة" له بقدر ما يكون سعيه وراء "ما لا يدرك بالمنافسة" أرقى مراتب الرضى والقبول، ولعل التمتع بصحة جيدة وحياة أكثر حركية ونشاطا لا يقل أهمية عن آمال الكثيرين التي يصعب استدامة حدوثها، فالرياضة لا تمنع الموت، لكنّها تهب البشر سعيا مستداما لتقوية مناعتهم الذاتية، كما أنّها تبعث على روح تشاركية إن تداوى الإنسان بشكل يتيح الرياضة للجميع.

 

"ستريت وورك آوت".. القوة في الإثارة والتحدي

ثمة رياضات كثيرة ومتنوعة يفوق عددها أن تجمع في هذه الأسطر الموجزة، وفي وقت اجتاحت فيه الجائحة العالم البشري مربكة روتين حياتهم -بغلق المحلات التجارية والنوادي الرياضية وتقليم نشاطاتهم اليومية لصد الوباء- بحث الكثيرون عن رياضة تمنحهم القوة وتشغلهم عن الأخبار المحزنة لضحايا فيروس كورونا، فذهب البعض إلى الركض وآخرون امتطوا ركوب الدراجات الهوائية، وبعضهم استعاد الشوارع المهجورة والغابات المحيطة ليصنع بها "نوادي مفتوحة" على الطبيعة لرياضتهم المفضلة والمسماة "ستريت وورك آوت"، والتي هي خليط بين رياضتي الجمباز وكمال الأجسام، وكانت آلات التمرن الخاصة بتلك الرياضة لا تتعدى آلتين أو 3 مصنوعة من الحديد الصلب ومطلية بدهان يمنع صدأها، منها "باري فيكس" (barre fixe) و "باري پاراليليس" (BARRES PARALLELES) اللتان تقومان عليهما أهم وأفضل تدريبات رياضة الشارع، وللحصول على فاعلية من التدريبات يجب على المبتدئين فيها أن يعوا أنّ "تكرار التمرين" و"قوة التحمّل" يمنحهما نتائج إيجابية ومذهلة في وقت قصير قد لا يتجاوز الأشهر القليلة.

وللتذكير بما يجب التنويه إليه أنّ ما من رياضة إلا ولها مبتدئون ومحترفون، ورياضة "تدريبات الشارع" لا تختلف عن باقي الرياضات لما تستوجبه من تقنيات وحركات خطيرة قد تؤدي إلى إصابات تصل درجة الإعاقة أو الموت، في حال مخاطرة بعض المبتدئين تقليد من هم أكثر رشاقة وتبحرا فيها، أمّا من يعي أنّ الرياضة هدفها تحصيل توازن جسدي وروحي، فإنّه لا يتجاوز إمكانياته الجسدية في التمرن وفق ما تتطلبه تدريبات الشّارع للوصول إلى جسم مثالي وجميل، وإن استدعى الأمر إلى تحدي الآخرين في تكرار التمارين واستظهار قوتهم في التحمّل.

ومع الظروف الاستثنائية التي نعيشها اليوم، باتت معظم السّاحات بوطننا العربي تزخر بتلك المنشآت البسيطة والجميلة لرياضة "ستريت وورك آوت"، في وقت تتغافل السّلطات المعنية عن تخصيص فضاءات رحبة لها، أو تمكين الشباب العربي من استغلال المزيد من الأماكن الرياضية المهجورة، فالاهتمام المتزايد الذي شهدته رياضة تدريبات الشارع كان -إلى وقت غير بعيد- مرتبطا بأولئك الذين لا يستطيعون دفع الاشتراكات بالصالات الرياضية، لكنّها اليوم استعادت مكانتها الحقيقية في وطننا العربي وبخاصة في الجزائر، لتصبح رياضة تدريبات الشّارع متاحة للجميع دون استثناء، وتمتلئ بها السّاحات والفضاءات العمومية بحركات بهلوانية رشيقة لشباب لطالما استوقفته المحن المتتالية، ليتمسك بشغفه في الحرية والحياة.

ستمنحك رياضة تدريبات الشارع بالتأكيد جسما مثاليا ورشيقا مكتمل القوام ومفعما بالطاقة، وستذهب عنك سموم الدهون الزائدة والتفكير المرضي في طلب الأشياء، كما أنّها ستمنحك عالما مختلفا عن ترتيبات حياتك الروتينية، وأصدقاء كثر يتقاسمون معك نشوة التحدي والإثارة في تمارين القرفصاء وغيرها، وستعدل عن العديد من العادات السيئة في الطعام والنوم، لتنظر إلى المخاطر المحدقة بك جرّاء الاستهلاك اللاعقلاني للمواد غير الطبيعية، لكن ومع كل النتائج التي ستتحصل عليها من تعلّقك برياضة تدريبات الشارع، فإنّك ستدرك من خلالها معنى الحياة بحلوها ومُرّها، وضعفها وقوّتها، بتخلينا عنها أو تسمكنا بها، ستدرك أنّ رياضة الشارع لم تتح للكثيرين إلا في ظرف تهاوى العالم البشري نحو هلاكه، طلبا لحياة أرقى وأنقى مما استحدثته حضارته.

ربما تكون الرياضة على عمومها تداويا طبيعيا من مآثم الحياة، وتخليصا لأجسادنا من سموم الصناعات البشرية المسرطنة، لكنّها وبالخصوص "رياضة تدريبات الشارع" فكّت قيود عزلتنا الاجتماعية والنفسية باستعمار فضاءاتنا الرّحبة، حتى إنّ بيوت الكثيرين وسُقوفها باتت تشبه صالات رياضية بسيطة تملأ صور الشغوفين الرائعة مواقع التواصل الاجتماعي، بالتحدي والإثارة والكثير من الحب، فهل بإمكانك البدء في التدريب وكسر الحاجز الذي بنته تخم الحضارة وجوائحها؟