غاندي بعيدا عن السياسة.. تجارب شخصية في طريق البحث عن الإله

(مواقع التواصل الاجتماعي)غاندي والنساء
ينحدر غاندي من عائلة هندوسية متدينة تحرم على نفسها أكل اللحوم وخاصة لحم البقر منها (مواقع التواصل الاجتماعي)

لم تكن تجارب الزعيم الهندي المهاتما غاندي في حياته الشخصية أقل شأنا من تجاربه في الحياة السياسية التي توّجها بإحياء مبدأ "المقاومة السلمية" الذي عرف به حول العالم، واستطاع من خلاله أن يجبر الإنجليز على إعطاء الهند استقلالها عام 1947.

غاندي، الذي خاض أول وأكبر معركة سلمية في وجه أضخم إمبراطورية حينها، خاض قبلها معارك ليست أقل ضراوة مع نفسه وشهواته وأسلوب حياته، في سبيل اكتشاف "الحقيقة" التي خلق من أجلها، بل إن تلك التجارب هي ما أهلته لأن يجمع الزعامة الروحية والسياسية للهنود، وهي ما قادته إلى مصاف عظماء التاريخ الحديث حتى لقب بـ "الروح العظيمة" (المهاتما)

ينطلق مهنداس كرمشاند غاندي، المولود في 2 أكتوبر/تشرين الأول 1869، في تجاربه من مبدئي الاختبار والتجريب على ذاته، وما الحياة في خلاصتها إلا اختبار للذات وتجريب لأنماط يسير معها المرء في رحلة لا تخلو من المتاعب والمشاق.

لا تشبه تجارب غاندي الغذائية والأخلاقية والروحية التي بثها في كتابه "قصة تجاربي مع الحقيقة" إلا تجارب قديس غير أنه ليس منزويا في صومعة ولا منعزلا عن الحياة، بل يخوض تجاربها ويعارك مغرياتها مستلهما دروسها من كل واقعة وحدث، يراقب خلجات نفسه ويمتحنها أصعب الامتحانات في سبيل "الخلاص الروحي" الذي يقربه من الحقيقة المطلقة.

وفي سبيل تلك الحقيقة جرب غاندي أنواعا من القيود على النفس والعزوف عن المأكولات ابتداء من اللحم ومرورا بتجربة النباتية الصارمة والصيام، وانصرافه عن الماديات رغم زعامته، والرضا بالعيش وسط الفقراء بل وسلوك مسالكهم في الحياة، وليس انتهاء بعزوفه عن الشهوة الجنسية حتى مع زوجته، طلبا لنقاء روحه وصفاء نفسه وفراغه لمهمات الحياة والغاية منها.

فلسلفة غذائية

ينحدر غاندي من عائلة هندوسية متدينة تحرم على نفسها أكل اللحوم وخاصة لحم البقر منها، وقد جرب الخروج عن تقاليد أسرته أيام مراهقته، لكنه سرعان ما عاد واعتذر لوالده عن "خطيئته".

غير أن الامتحان الحقيقي للمهاتما كان في أول خروج له من بلده ومن أسْر أسرته، فحين عزم على السفر إلى إنجلترا لدراسة القانون -المهنة التي يمكن أن يخلف بها منصب أبيه في رئاسة وزراء الولاية- تخوفت عائلته وخاصة والدته والطائفة التي ينتمي إليها، أن ينحرف به سفره عن تقاليد ديانته، وبعد مناقشات ومحاورات عائلية واجتماعية أخذت عليه أمه 3 مواثيق مغلظة كانت بمثابة دليل السلوك في سفره، فالتزم لها ألا يأكل اللحم، وألا يشرب الخمر، وألا يقرب النساء.

سافر غاندي مصحوبا بعهود والدته وسخط طائفته التي لم ترضَ سفره، ولقي في إنجلترا عنتا شديدا هزل على إثره جسده، بعد أن اقتصر في أكله على الخبز الذي كان يحاول أن يشبع منه بقدر استطاعته. ورغم حث أصدقائه الدائم له على أكل اللحم، واستحالة العيش دونه خاصة في بلد مثل إنجلترا ذلك الوقت، إلا أن الرفض الدائم كان سبيله الوحيد في مواجهتهم.

وبعد عناء ومشقة لقيهما من البيئة المحيطة والأصدقاء، اهتدى إلى أحد المطاعم النباتية وأكل به أول وجبة نباتية شهية، واشترى منه إلى جانب وجبته كتابا عن النباتية كان انطلاقته في ذلك المسلك، ومن حينها اختار أن يكون نباتيا بكامل إرادته، لا التزاما فقط بعهد والدته، وسريعا ما أصبحت النباتية إحدى مهامه التي وطن نفسه على نشرها.

مع تلك الأيام انطلقت تجاربه الغذائية على نفسه حتى أصبحت جزءا من حياته، وقد بدأها بدافع الحفاظ على الصحة، لكن الدين وتهذيب النفس صبغا تلك الدافعية حتى استحوذا عليها.

لقد جعلته نباتيته يبدو غريبا في إنجلترا خاصة مع إلحاح أحد أصدقائه الذي كان يصر على تناوله اللحم، ودعاه ذات مرة إلى مطعم فاخر لإحراجه وإجباره بطريقة غير مباشرة على أكل اللحم، وعندما قُدم له أحد الأطباق واستفسر من النادل عما إذا كان هذا الطبق نباتيا أم لا، استشاط صديقه غاضبا، واصفا إياه بالأخرق الذي لا يستطيع العيش في مجتمع مهذب كالمجتمع الإنجليزي، بل أمره بالخروج من المطعم والبحث عن مطعم آخر، فما كان من غاندي إلا أن خرج مغتبطا وراح يبحث عن مطعم نباتي يكرس به قناعته.

لم تغير تلك الواقعة من تفكير غاندي تجاه الغذاء، لكنه حاول أن يكون مهذبا في ذلك المجتمع المتمدن والجديد عليه بطرق أخرى علها تمكنه من التصرف "كسيّد إنجليزي" وهي المهمة التي وصفها بالمستحيلة.

بدأ الرجل الهندي المحافظ، القادم من بوربندر إحدى مدن الساحل الغربي، يعتني بمظهره وملبسه اللذين يمكن أن يتناسبا مع المجتمع الإنجليزي، وراح يتلقى دروسا في الرقص والعزف على آلة الكمان، وكانت اللغة الفرنسية شائعة آنذاك في أوروبا ومن متطلبات التمدن حينها فحاولها بالتعلم، كما حاول تعلم فنون الخطابة.

في غمرة تلك الاهتمامات، استيقظ من غفلته التي شغلته عن كونه طالبا، فكيف له أن يكون سيدا بمجرد تعلمه الرقص، ولماذا يتعلم الكمان في إنجلترا ويمكنه العزف عليه في الهند! وخلُص إلى أن شخصيته لو قدر لها أن تؤهله ليكون سيدا فذلك عظيم، وإلا فإنه يتخلى عن ذلك الطموح.

ورغم اختلاف مدارس النباتيين، فقد انتهج غاندي أكثر المدارس صرامة، وكان من أولئك من يقصر الامتناع عن اللحوم على تناول لحوم الطيور والحيوانات لكنهم يترخصون في لحوم الأسماك فضلا عن البيض والحليب، ومدرسة أخرى أكثر تشددا تدرج الأسماك ضمن اللحوم، والمدرسة الأكثر صرامة تدرج الأسماك وكل منتجات الحيوانات من البيض والأجبان والألبان.

نازعت غاندي نفسُه في أي المدارس أصح؟ لكنه رجح في النهاية رأي والدته، ورأى أن عهده لها وتفسيرها هو الملزم، وكان تفسيرها يتوافق مع المدرسة الأكثر صرامة، فامتنع حتى عن البيض وكل الأطعمة التي يمكن أن تحتوي عليه رغم اشتهائه إياه.

صاغ من تلك التجربة قاعدته الذهبية في تفسير العهود بعد أن التزم بعهد والدته، فلطالما تسبب تفسير الوعود في نشأة الصراعات بين الناس، ولدى الإنسان ميل إلى تفسير العهد مهما كان صريحا ليتماشى مع مصالحه وأهوائه الشخصية التي تدفعها الأنانية الذاتية.

استخلص غاندي من تجربته تلك أن التفسير المقبول هو تفسير من تعطيه الوعد لا تفسير الهوى والميل النفسي، أو القبول بتفسير الطرف الأضعف عند وجود تفسيرين للوعد، وقد وجد صدى هذين القاعدتين في سيره نحو بلوغ الحقيقة وتجنب النزاع والظلم مع الناس.

حين عاد من إنجلترا حاول الانخراط في سلك المحاماة، وواجه صعوبات عدة منها خجله وعدم قدرته على الحديث في المحاكم أمام القضاة والشهود، وهو ما تسبب في نفور الموكّلين منه.

وكان للمحامين أساليبهم الملتوية في الحصول على القضايا وهو ما لم يستطع مجاراتهم فيها، ناهيك عن دراسة القانون الهندي وتفاصيله، ليصاب بالإحباط من مهنة المحاماة.

وفي خضم محاولاته تلمس طريقة للعيش بها، واتته فرصة للسفر خارج الهند، فسافر إلى جنوب أفريقيا في مهمة عمل لصالح إحدى شركات المحاماة، ومن تلك البلاد، التي كانت ترسف في قيود العنصرية وشرعنة استعلاء العرق الأبيض، انطلق في مجال الخدمة العامة والنضال الحقوقي لأبناء جنسه من الهنود بشتى طوائفهم ودياناتهم، ولابد في مثل هذا المسير من غياهب السجن.

ولأن السجن مدرسة قاسية وتجربة شاملة، فقد كان سجنه لأول مرة في جنوب أفريقيا حافزا له على مواصلة تجاربه في التحكم بشهوات نفسه خاصة في الطعام، فلم يكن يُسمح لهم بوضع أي إضافات على الطعام لمجرد إشباع شهيتهم، بل كانت تقدم لهم الوجبات خالية من الملح أو أي توابل أخرى، ومنع عنهم الشاي والقهوة، وكان عليهم أن ينتهوا من وجبة العشاء قبل غروب الشمس.

خرج غاندي من السجن مستصحبا معه تلك القيود طواعية، واستطاع التخلص من الملح والبهارات التي لا غنى للهندي عنها، وبات يتذوق كل الأطعمة من غير تلك البهارات، مؤمنا بأن "العقل هو مركز التذوق الحقيقي وليس اللسان" ليجمع بفلسفته تلك بين ترويض النفس وترويض العقل.

وبعد أن التزم بتوقيت وجبة العشاء قبل الغروب، وامتنع عن أكثر المشروبات شهرة بين الناس: القهوة والشاي، عنوة في السجن اعتاد ذاك النمط عن طيب خاطر.

كان غاندي رغم القيود العديدة التي وضعها لنفسه في نظامه الغذائي، فإنه كان لا يزال يجد لذة وشهوة في داخله للطعام وهو ما يعتبره عوائق تمنعه من التفرغ الروحي والوجداني في سبيل الخلاص والانعتاق من قيود الجسد، فعزف عن أكل الحبوب التي كان يشتهيها أيا كان نوعها، راجيا أن تكون خطوة في طريق امتناعه عن الملذات والتحكم في الشهوات.

ثم ألحق قيوده الغذائية تلك بالامتناع أيضا عن الحليب رغم صعوبة ذلك عليه، واقتنع أن الحليب يغذي شهوات النفس فقرر الابتعاد عنه، واستمرت قائمة الممنوعات تزيد في أسلوب حياته، حتى قرر أن يقتصر نظامه الغذائي على الفاكهة فقط.

إلى جانب القيود الغذائية، التزم غاندي بالصوم في فترات مختلفة، ورغم أنه كان يصوم أحيانا اقتفاء لأثر والديه إلا أنه مارسه بعد ذلك كطريق للتحكم في شهوات نفسه، وخلاص روحه إذ إن صيام الروح لابد وأن يقترن بصيام الجسد حتى لا يتحول الصيام إلى نفاق، في نظر غاندي.

ولغاندي فلسفة في الصوم أو الضوابط الغذائية، فلا يمكن لهذين الأسلوبين النجاح في أهدافهما ما لم يتمكن المرء من السيطرة على "العقل الشهواني" الذي يتوق إلى الأطعمة الشهية والترف، وحتى يبلغ الإنسان غايته في ذلك لابد من ترويض عقله والكف عن التفكير في الأكل بدافع الشهية والاشتهاء وإنما ما يقيم الصلب ويحفظ الأوَد.

البساطة في الحياة والزعامة في الخدمة

لقد أثرى أسلوب حياته البسيط روحه ووفر له الكثير من صفاء الذهن وتفرغ القلب، وكان يشعر بسعادة روحية لا توصف، كما يقول، وفرغته للخدمة العامة التي نذر غاندي نفسه لها بدافع تحقيق الذات أولا، ثم كانت لإرضاء "الإله".

وقد أصبح حب الخدمة لديه شغفا بل هما في الحياة، حتى تمرس في تمريض الآخرين من غير دراسة للطب أو التمريض، وكثيرا ما شغله تمريض الناس عن عمله في مهنة المحاماة.

كان يسافر على الدرجة الثانية أو الثالثة عند ركوبه للقطار والذي عادة ما يكتظ بالركاب وتنعدم فيه سبل الراحة والنظافة، وذلك ليعيش حياة الناس البسطاء ويقاسي الصعوبات التي يعانون.

ورغم أنه سافر إلى جنوب أفريقيا لكسب الرزق فإن العنصرية التي كان يعاني منها غير البيض في البلاد بمن فيهم الجالية الهندية ذات العدد الكبير، حفزته للنضال الحقوقي العام، ومحاولة تحسين ظروف أبناء بلده كأفراد وجماعات، فانخرط في الخدمة العامة.

وحين عاد إلى الهند لم تكن أمامه مناصب ليتسلمها، فانخرط في عضوية الحزب الوطني وارتضى مهام دنيا كنسخ الرسائل وتجهيز احتياجات القادة الشخصية، بل وصل به الحال إلى تنظيف المراحيض في مؤتمرات الحزب العامة.

ولم يكن يستنكف عن ذلك حتى للبسطاء من الناس، فعندما كانت تشن الحكومة الهندية حملات ضد بعض الأوبئة كان يشارك فيها غاندي ويطوف على بيوت الناس يحثهم على اتباع أساليب الوقاية ويساعدهم في نظافة بيوتهم ومراحيضهم.

والخدمة في فلسفة غاندي طريق من طرق الوصول للحقيقة التي نذر نفسه لتتبعها، ولا تكون للخدمة أي معنى إذا لم يستمتع القائم بها، وإذا ما أديت بدافع التفاخر أو الخوف من الرأي العام، فلن يكون نصيب صاحبها منها إلا سحق الروح وشقاؤها، لكن جميع ملذات الحياة تتقاصر أمام خدمة تقدم بسرور وبهجة.

صراعه مع شهوته

بشفافية شبه مطلقة، يروي غاندي في "سيرته نحو الحقيقة" علاقاته العاطفية مع زوجته، وقد تزوج صغيرا في سن 13 على عادة الهنود آنذاك، كما يقص علينا مغامراته الجنسية مع نساء أخريات، وكيف عالج تلك الشهوة حتى تبتّل وأخمد جذوتها في نفسه حتى مع زوجته.

كانت وفاته والده الحادثة التي وكزت ضميره ونبهته إلى مآلات اتباع الشهوة، فحين اشتد مرض والده وكان قد اعتاد أن يدلك رجله كل ليلة قبل أن ينصرف إلى مهجعه، وبينما أبوه يصارع المرض ويعاركه في إحدى تلك الليالي، كان غاندي يحدث نفسه بسهرة حميمية مع زوجته، وحين أذن له عمه بالانصراف هب مسرورا لينام معها، لكنها لم تكن إلا دقائق حتى عاجله الخادم بخبر وفاة والده، فندم وشعر بالخزي الشديد إذ فارق والده في آخر لحظات حياته من أجل أن يرضي شهوته.

بقي هذا الموقف وصمة عار في نفسه لم يستطع أن يمحوه أو ينساه قط رغم بره اللامتناهي بوالديه، ولعل ذلك الموقف أوقد شرارة الرحلة الفكرية التي سارها غاندي مع شهوة نفسه.

من شدة تعلقه بزوجته كانت أفكار الشك وسوء الظن تلاحقه، حتى منعه حبه لها من تعليمها أو تهيئة السبل لها للتعلم، وكان يرى أن لو كان حبه لها خاليا تماما من الشهوة لأصبحت امرأة متعلمة.

ذهب غاندي لبعض بيوت الدعارة برفقة أصدقاء له واختلى فيها بنساء ولم يكن بينه وبين الرذيلة إلا أن يمتلك جرأة وإرادة، لكن مشاعره في تلك المواقف انطفأت وتجمدت معها إرادته للشهوة ولم يجد في نفسه أي دافعية تجاهها، حتى طردته إحدى تلك النساء من الغرفة بعد أن يئست منه، فلم يكن منه إلا أن شكر "الإله" الذي أنقذه من تلك الوقائع بغير إرادة منه.

قرأ في كتاب "الغيتا" المقدس لدى الهندوس ما يعتبره دستوره في الحياة في تعامله مع شهوته ورغباته الحسية:

من يعكف على مدركات الحواس يميل إليها

ومن الميل تولد الرغبة

ومن الرغبة تتولد نيران الشهوة الجامحة

وبذلك تخون المرء الذاكرة

فتقضي على الغايات النبيلة

وتستنزف العقل

فتمحق الغاية والعقل والإنسان

راض غاندي نفسه على كبح شهوته الجنسية، حتى صرف النظر عنها بالطرق الشرعية، فأخذ على نفسه عهدا باتباع ما يسمى "البراهماشاريا" التي تعني كبح شهوات النفس والتحكم بها. وكان يرى في ذلك عاملا أساسيا لإدراك الذات وسبيلا حتميا لمن ينشد خدمة الإنسانية بكامل روحه، ولا يمكن لمن أراد ذلك أن ينخرط في متع الحياة الأسرية وإنجاب الأطفال وتربيتهم، فتجنب العلاقة الحميمية مع زوجته، وغير نظام نومه في نفس الفراش معها.

ورغم أخذه ذلك العهد على نفسه وهو في منتصف عمره والتزامه به فإنه لا يراه بالأمر السهل، وهو ليس انعزالا بالجسد فقط عن الشهوات وإنما حتى مجرد الأفكار والخواطر، وهو ما يجعل المشوار طويلا وشاقا لكنه يستحق لما له من قوة مذهلة في الروح كما يرى غاندي، ولذا أطلق عليه "المهاتما" أو الروح العظيمة.

و"تطهير الذات" من شهواتها بتلك الطريقة خطوة مهمة تمهد للفكرة الأساسية التي اعتنقها واشتهر بها وهي "الساتياجراها" أو مبدأ اللاعنف والمقاومة السلمية.

دعي ذات مرة هو وصديق له إلى أحد مؤتمرات النباتيين في إنجلترا عام 1980، وفي إحدى ليالي المؤتمر تسامر مع مجموعة من الحاضرين وجلسوا للعب "الورق" (الكوتشينة) ثم انضمت إحدى النساء إلى صديقه وأخذا يتجاذبان النكات البذيئة وانضم لهما غاندي مدفوعا بشهوته وإغراء المرأة له، وما إن بدأ في مجاراتهما حتى اندهش صديقه منه وحذره قائلا "من أين يأتي هذا الشر الذي بداخلك يا فتى".

ربما تكون تحذيرات صديقه بدافع الغيرة منه أو الخوف عليه فعلا، لكن تلك الكلمات هزت وجدان غاندي وذكرته عهد والدته، بل وبعثت في نفسه تساؤلات حول جوهر الدين وكيف يتدخل الإله لإنقاذنا من المحن، ولئن كان غاندي أدرك في تلك اللحظات بصورة مبهمة عبارة "أنقذني الإله" إلا أنها تعمقت بعد ذلك في داخله وأصبح يشهدها في نفسه مع كل المصاعب والمحن سواء ذات الطبيعة الروحانية أو كمحام يمارس مهنته، أو في مؤسسات الخدمة العامة التي كان يديرها وينشط فيها، وحتى في السياسة.

وحين كان يجد العون يأتيه من حيث لا يدري يؤكد أن التضرع والعبادة والصلاة ليست خرافات بل هي أفعال حقيقية أكثر واقعية حتى من الأكل والشرب، بل يذهب بعيدا إلى أنها هي الأفعال الوحيدة الحقيقية وما عداها زائف.

كانت بداية اطلاعه على الأديان في إنجلترا وخاصة ديانته الهندوسية التي تلقاها في الهند عن والده، ولم يكن قد قرأ "الغيتا" (كتاب الهندوس المقدس) وقرأ أجزاء منها مع صديقين "ثيوصوفيين" وأعجب بكلمات بعض أجزائها وتأثر بها، ومع الوقت أصبحت قيمة الكتاب لا تقدر بثمن عنده، وصار يلجأ إليه في الأوقات العصيبة.

ولا يشك غاندي في أن "الصلاة وسيلة ناجحة لتطهير القلب من الأهواء لكن يجب أن يصاحبها تواضع تام" وهو ما نعبر عنه بالخشوع أو الخضوع.

هذه الرحلة الذاتية التي خاضها روح الهند العظيمة لم تكن في جوهرها إلا بحثا عن "الحقيقة المطلقة" التي وجدها غاندي أخيرا في الإخلاص للإله، وتخليص النفس من كل عائق قد يصرف عنه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة