هل يمكننا المرور نحو المستقبل؟

إن ما نشهده اليوم من أزمات وكوارث يستوجب منا قراءة التاريخ بعمق حقيقي (الجزيرة+وكالات)
إن ما نشهده اليوم من أزمات وكوارث يستوجب منا قراءة التاريخ بعمق حقيقي (الجزيرة+وكالات)

 

تحتار الأفئدة في هذه الفترة من الزمن في تحليل مجريات ما يدور من مشاهد وشواهد في عالمنا الذي تتصارع فيه الأفكار والتوجهات، والمصالح العالمية والتخبط الدولي الذي أعقب حالة انتشار كورونا وتعامل الدول ما بين الجائحة وبين مصالحها، بل وحالة استقرارها الداخلي والخارجي، وهو ما أفرز حالة من التيه العام يشمل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والعملية على حد سواء، وانعكس داخل الأسر الصغيرة بصورة مباشرة حتى وصل إلى نمطية تفكير الفرد في ذاته ومستقبله ومستقبل أبنائه.

 

إن مثل هذه الحالات التي شهد لها التاريخ أمثلة متعددة هي حالات ليست استثنائية بالمعنى التفصيلي، بل هي متكررة في أكثر من حقبة زمنية، كانهيار الإمبراطوريات وحالات تغير الديموغرافيا في روسيا وألمانيا ومشاهد الحروب العالمية وما استتبعها من حالات هجرة ونزوح وتغيير في اللغات والسكان وتيه عام غطى على المشهد العام، ففي كل حقبة من هذه الحقب شهد العالم تقلبات وكوارث ومتغيرات حقيقية على مستوى الثقافة العامة وطبيعة التفكير وطبيعة التعامل مع الواقع بصورة مصيرية وشاملة.

ورغم أن هذه الحالات التاريخية تتسم بالقسوة والعنف والقتل والتدمير، فإنها تمثل أيضا صورة متكررة عما نحياه الآن في واقع كورونا والنزاعات الطائفية والعرقية والجغرافية والمصلحية التي تغطي مساحات العالم المختلفة، ويدفع المشرق الإسلامي فاتورتها الكبرى ولا ريب.

غير أن الخروج من هذه الأزمات عبر التاريخ تطلب تكاتف الجهود بين شريحة العلماء والمثقفين والشرائح المجتمعية الضاغطة من أجل إيجاد حالة من الضغط العام على المجتمعات الداخلية لتقول كلمتها وتحدد مصيرها، وليس أدل على ذلك من حالة الضعف القاتلة التي اعترت المشرق الإسلامي برمته بعد انهيار الدولة العثمانية وتشتت الجغرافيا العربية بصورة أضعفت الروح المعنوية العامة، ونشرت البلبلة في نفوس الناس على اختلاف مستوياتهم المعرفية ومواقع سكناهم وطبائع تعاملهم مع الأمور.

إن ما نشهده اليوم من أزمات وكوارث يستوجب منا قراءة التاريخ بعمق حقيقي، لنعرف أسباب هذه الأزمات وكيفية الخروج منها، ومن هم المسؤولون عن إيجاد البدائل والحلول، وكيفية طرح هذه الحلول بصورة تكون مقبولة على المجتمع، وتلبي حاجاته النفسية للأمن والأمان والاطمئنان على مستقبله، أما الحديث الهلامي الفضفاض وطرح الشعارات العامة فلا يجلب خيرا ولا يحقق مطلباً.

إن مسؤولية النخب الحقيقية أن تلتصق اليوم بمجتمعاتها، وأن تحسن التواصل معها من خلال كل وسيلة ممكنة، لتزرع فيهم الأمل، وتحفزهم على الاطمئنان للمستقبل من خلال المشروعات الصغيرة التي تمثل بواعث أمل حقيقية، وتطرح نماذج إيجابية في هذه المجتمعات، للخروج بداية من حالة اليأس العام والإحباط الناتج عن السياسات الدولية الخاطئة والمفتعلة على حد سواء، وليتم الانتقال بعد ذلك لجهود تكاملية ومشروعات عابرة للحدود تطرح فلسفة مقبولة على المجتمعات من أجل تحديد مصيرها العام ومستقبل الفرد فيها وليس التعايش مع الواقع لكثرة تغيره وتبدله.

فالقبول بالواقع والانشغال بتكوين المواقف فيه تبعاً لتقلباته لا يعطي أي أثر ملموس على الأرض، والحل الأمثل للأزمات الراهنة هو التركيز على نقاط وعوامل القوة التي لا تزال موجودة على مستوى الإنسان والمؤسسات والأفكار، والتعويل على الإيجابي منها ليكون منطلقاً لحراك عام في كل مجتمع، يقوده العقلاء بعيداً عن ردات الفعل والجهود الارتجالية.

 

إن حجم الأزمات الهائل يتطلب بالضرورة مستويات متقدمة من التفكير والتخطيط والتنفيذ وتوزيع الأدوار، ويستلزم كذلك تفعيل كل الجهود والطاقات في المجتمع على المستوى الفني والأدبي والعلمي، ويكفي للتدليل على ذلك ما نعيشه اليوم من حالة انعزال الكفاءات العلمية والاقتصادية عن طرح المبادرات في ظل أزمات كورونا والتعامل معها، ليجد الإنسان البسيط نفسه مطالباً بالتفكير على مستويات متقدمة بعيداً عن أهل التخصص والمعرفة في أشد ظروف حاجته إليهم، وهو أمر يجب أن يتوقف على الفور، ليقوم كل متخصص بدوره ومسؤوليته، وليقدم كل خبير خبرته لمجتمعه في ظل الأزمة، حتى لا يتخلى عنه المجتمع بعد الخروج من عنق الزجاجة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة