معدلات القراءة في عالمنا العربي.. والانتماء الفكري

المقررات الدراسية وحدها لن تصنع منك مثقفا و لا سياسيا مفترضا أو عاملا مستقبلا بذاك الميدان بحكم تخصصك الدراسي أو بحكم سنوات قضيتها في دراسة ذاك التخصص (الجزيرة)
المقررات الدراسية وحدها لن تصنع منك مثقفا و لا سياسيا مفترضا أو عاملا مستقبلا بذاك الميدان بحكم تخصصك الدراسي أو بحكم سنوات قضيتها في دراسة ذاك التخصص (الجزيرة)

 

قد لا يأتي غزوان -كاتب هذي السطور- بجديد حينما يقول إنه أنهى السنة الثالثة من 4 سنوات هي مجموع سنواته الدراسية في فرع العلوم السياسية والعلاقات الدولية، فمثله الآلاف والآلاف في الجامعات العربية بذات الكلية وغيرها، لكن الجديد الذي يزعم أنه أتى به؛ هو أنه يقدم قراءة لما لاحظه على نفسه وأقرانه وزملائه.

وربما تكون ملاحظة حسّية مشاهدة في بيئة صغيرة هي كلتيه في جامعته، لكنها قد تصلح توصيفا عاما لحالنا وحال الجامعات والطلبة العرب في أوطانهم وحتى منافيهم.

ولم يعزّز ذلك الفرع -في جامعتي على الأقل- شغف القراءة والاطلاع والاستزادة من خارج المقررات الدراسية، إلا لدى القلة، فالمقررات الدراسية وحدها لن تصنع منك مثقفا ولا سياسيا مفترضا أو عاملا مستقبلا بذاك الميدان على أقل تقدير؛ وذلك بحكم تخصصك الدراسي أو بحكم سنوات قضيتها في دراسة ذاك التخصص.

وبحكم انخفاض معدلات القراءة في عالمنا العربي -والتي لا يشكل فيها زملائي استثناء من تلك القاعدة- لم ألاحظ انتماء واضحا وصريحا لتيار فكري بعينه ولا لجسم سياسي معين، ربما يُعزى ذلك أيضا لقلة تركيز تلك التيارات أو الأجسام على فئة الشباب أو طلبة الجامعات؛ رغم محاولة البعض منها ذلك، لكنها عموما دون المطلوب والمأمول منها.

 

أما من انتمى أو تأثر -على قلتهم- فكانوا ضمن أقسام ثلاثة:

القسم الأول: من كان ينتمي للتيار الإسلامي بخطوطه العريضة الفضفاضة، بعيدا عن متاهات التفاصيل التي تكمن فيها الإشكاليات والأزمات الحقيقية لذاك التيار عموما، من قبيل الولاية العامة للمرأة، والمشاريع السياسية الواضحة المعالم والرؤى، والاقتصاد والآخر وغير ذلك.

أولئك الزملاء تعزز انتمائهم لذاك التيار، وتعززت قناعتهم بصوابه وسحريّة حلوله، رغم اقتصار ذلك الانتماء على العاطفة والميل نحوه وجدانيا من دون الانتماء لتنظيم أو حزب سياسي يمثله ذلك التيار؛ وسبب ذلك ربما يعود لعدم تركيزه على فئة الشباب.

 

القسم الثاني: كان النقيض تماما، حيث يرى هذا القسم في أشخاص الإسلاميين وأفكار تيارهم الشر المطلق الذي لم ينجح في التَقعيد لكثير من القضايا الإشكالية، ومنها قضايا لها علاقة بالاقتصاد، كالربا والفائدة والمرابحة وتفاصيل علم الاقتصاد الذي أصبح قائما بذاته.

ورغم المساهمات الفردية لعشرات المفكرين والعلماء المسلمين لتقديم نظرية اقتصادية إسلامية قائمة بذاتها؛ فإننا لن نسهب بالاقتصاد الإسلامي، ونعود لموضوعنا، حيث يجادل الطرف النقيض للإسلاميين من جهة الأشخاص، وللتيار الإسلامي من جهة الأفكار؛ بالعديد من القضايا الأخرى كسلوكيات الجماعات الإسلامية التي حملت السلاح، وعدم نجاحها في إدارة ما سيطرت عليه من مناطق، وأنها لم تقدم نموذجا ناجحا إداريا وتنظيميا ولو بالحد الأدنى، كما في سوريا، بحكم الأغلبية السورية بين زملائي العرب، وإذا اتسع النطاق قليلا يمتد للقضايا التي تشغل الرأي العام في المنطقة العربية عموما من قبيل تجربة الإخوان بمصر أو حرب غزة الأخيرة وسواهما، ويسعى هذا الفريق لإثبات رأيه مستشهدا بما سبق.

وقلة قليلة من الفريقين من تمارس سلوك الطالب الجامعي المثقف الذي يحاول الاطلاع على قضايا دولية واجب عليه الاطلاع عليه بحكم تخصصه الدراسي من قبيل أبعاد ومستقبل التواجد العسكري الفرنسي في القارة السمراء (أفريقيا) والمنافسة الصينية الناعمة للفرنسيين هناك.

 

القسم الثالث: الذي لا ينتمي للتيار الإسلامي ومقتنع بقصور رؤاه، خاصة في القضايا الإشكالية، رغم إيمانه بحقه في الوجود كتيار فكري وجسم سياسي، وربما مرجعية أخلاقية أو وجدانية للبعض.

أصحاب الفريق الثالث -والذي قد يكون الأقرب للصواب- يدعون لمحاكمة موضوعية و متوازنة لكل مدرسة فكرية أو تيار سياسي، ويكون الانتماء على أساس القراءة العقلية والمنطقية لأية مرجعية فكرية أو سياسية قبل تبنيها، والاطلاع على ما قدمته من تجارب، إذ لا تكفي أدبيات كل فريق من الكلام المعسول في كتب منظريه و دوريّاتهم و أوراقهم البحثية، فقد لا تُطبق على أرض الواقع، وليست النهضة التونسية، ولا حَمْس الجزائرية، ولا الحزب الإسلامي العراقي منا ببعيد، وذات الكلام ينطبق على التيارات السياسية العربية المقابلة، فلم يقدم حزب الشعب الديمقراطي السوري ولا الحزب العربي الناصري المصري بديلا، ولا الحزب الدستوري الحر التونسي نموذجا يجذب الشباب أو يجد فيه ضالته لممارسة العمل الحزبي و السياسي.

وقد يكون القسم الثالث حلا وسطا بين القسمين الأولين، فلا هو ينفي حق الإسلاميين أشخاصا وتيارا وممارسة للعمل السياسي والحزبي، ضمن قواعد لعبة يضبط إيقاعها دستور وعقد سياسي بين القوى السياسية والتيارات الحزبية في ذاك البلد أو ذاك، فضلا عن العقد الاجتماعي الذي يضبط علاقة الحاكم بالمحكوم، ولم يجد في الطرف المقابل للإسلاميين ما يصبو إليه.

ولكنه ما يزال يجدُّ في البحث ويقرأ ويطالع هنا وهناك لعله يجد في جسم سياسي هنا أو حزب سياسي هناك ما يشده إليه ويجذبه للانخراط في العمل السياسي.

 

وإن عزاءه في البحث -إن لم يجد ضالته- أن ما قرأه سيضاف لمخزونه الثقافي ورصيده المعرفي الذي سيكون أحد مفاتيح نجاحه عندما يجد تيارا أو حزبا يعبر عن تطلعاته، كشاب عربي لم يجد في الأحزاب الكلاسيكية -لا يساريّها ولا يمينيّها المتواجدة على الساحة العربية- ضالته، يحدوه الأمل وحده بغدٍ أفضل، بمفكرين وساسة ملتزمين بقضايا شعوبهم، جادين في العمل لها.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة