ماذا بعد التطرف العرقي والديني؟

الدواء "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ" (بيكساباي)
الدواء "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ" (بيكساباي)

 

أخذت أُطالع حال ألمانيا الآن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك نظرًا لشدة إعجابي بذلك البلد، والذي نهض لينفضَ عن نفسه غبار الحرب غير عابئ بما حدث، فقد ضربت لنا ألمانيا مثالًا عزيزًا للصبر والعزيمة، كما وهبت لنا أُسس الحكمة على يد عدد كبير من فلاسفتها.

وقد صُعقت حين وجدت اليمين المُتطرف عائد وبقوة إلى الساحة السياسية على يد الحزب اليميني المُتطرف "البديل من أجل ألمانيا". فسألت نفسي: ألم يتعلم هؤلاء مما حدث سابقًا؟ أليست تلك العنصرية والعرقية المُتطرفة هي السبب وراء ما حل بألمانيا في الحرب العالمية الثانية؟ هل عاد شبح هتلر مرة أُخرى للظهور؟

ليست ألمانيا وحدها بل أوروبا والعالم كله

الإشكالية ليست في ألمانيا وحدها، فذلك الداء اللعين المُعدي والذي يُدعى بالقومية بدأ في أوروبا وانتشر في العالم كله، فلو نظرت -ما زلنا في أوروبا- إلى جارة ألمانيا حيث الفتاة الشقراء ذات العيون الزرقاء واللدغة الرائية "فرنسا"، لوجدتَ يمينًا مُتطرفًا يكاد يبتلع البلاد هناك، بل ستجد أن الرئيس الفرنسي ذاته "ماكرون" بدأ في ارتداء الزي اليميني.

وحين تتجه إلى الجنوب نحو إيطاليا سيُصادفك الحزب اليميني المُتطرف "ليانورد" الذي بسببه غرق عدد لا مثيل له من الأطفال والشيوخ والنساء أثناء هجراتهم غير الشرعية لإيطاليا بحثًا عن حياة كريمة. أما النمسا فلها نصيب كنصيب الأسد من ذلك الزخم المُتطرف، والذي يتمثل في حزب الحرية النمساوي الشعبي اليميني.

كل تلك الأحزاب اليمينية المُتطرفة التي أخذت في ذبح أوروبا تتفق على رفض كل ما هو غريب عنها؛ سواء كان غريبَ اللغة أو الدين أو العرق أو حتى الشكل على حد تعبير بعض زعمائهم. فأحفاد هتلر الآن ينتهجون نهج سلفهم، حينما اتبع النازيون المنهج السلمي أول الأمر، وما إن ظفروا بالحكم بعد 14 عامًا حتى ظهرت الدكتاتورية وتجلت الإبادة العرقية وتصاعدت وتيرة الاعتداءات وتفتقت قوانين الفصل العنصرية، فيبدو أن أوروبا لم تتعلم الدرس بعد، خاصة عندما نعرف أن الحزب اليميني في ألمانيا "حزب البديل" الساخط على الليبرالية اليسارية يحظى بشعبية قدرها 41% من تأييد الشعب، بينما يحظى اليسار فقط بـ 31%.

ليست أوروبا وحدها.. كذلك نحن

أحسبك تظن أننا -نحن العرب- معصومون من تلك النتنة العرقية المُتطرفة، حقيقة الأمر، لم ينجُ أحد من ذلك الداء أبدًا، فهذا الداء وليد ميكروب عصر الحداثة، فلا نجاة لأحد.

لو نظرت إلى حال العرب ستجد عنصريتين؛ عنصرية أساسها القوميات المحلية، وعنصرية أساسها الأيديولوجيات الدينية. فمثلًا نرى في العنصرية الأولى ما يحدث بين بعض دول الخليج ومصر، فيقوم رجل خليجي بإهانة المصري لفقره وحاجته إلى العمل خارج مصر، بل قد يتطاول ويعتدي عليه ويذله وسط العامة، كأنه يملك صك عبوديته. بالتالي يرد المصري بالتعالي على الخليجي بل وعلى العرب كافة بثقافته وموسوعيته وحضارته وعظمة بلاده التي لا تُنافسها أمم المشرق والمغرب في امتدادها.

وترى العنصرية الممُارسة من قِبل بعض المصريين واللبنانيين على إخوانهم السوريين، فيُطالبون بطرد اللاجئين بحجة الحفاظ على الوضع الديموغرافي والإبقاء عليه، وهي نفسها حجج اليمين الأوروبي، بل ويُزيدون عليها بعض الجمل الطريفة التي لا يكاد المرء المُلم بالتاريخ أن يسمعها إلا وتنفجر معدته ضحكًا، كأن يقول المصري أنه من أحفاد الفراعنة، ويقول اللبناني أنه من أحفاد الفينيقيين، ولا أعلم شيئًا أكثر إثارة للشفقة من خيبات آمال هؤلاء، فكل إنسان يفشل في حاضره يتعلل بماضيه.

فالمصري الذي يقول إنه فرعوني الأصل، من أين له ذلك الدليل؟ خاصة بعد تجانس الشعوب على إثر الحروب والهجرات المُتبادلة، فمصر نفسها تعرضت لانقلاب ديموغرافي أكثر من مرة، تارة في عصر الأسرة الـ 22 حين حكم مصرَ الليبيون، وفي عصر الأسرة الـ 24 حين خضعت البلاد تحت الحُكم النوبي الكوشي، ثم في عهد الأسرة الـ 28 زمن الغزو الآشوري، إلى أن دخل الإسكندر عام 332 ق.م وأحدث انقلابًا ديموغرافيًا كبيرًا في البلاد، ومن بعده الرومان، ثم العرب، وفي الأخير جاء العثمانيون.

بعد كل هذا هل تظن أن هناك شعبًا ما زال مُحافظًا على أصله البيولوجي دون أن يحدث له اندماج، لو وُجد مثل ذلك الشعب لانقرض منذ زمن، كذلك الحال مع اللبناني الذي يدعي أن أصله فينيقي دون الخوض في تاريخه.

وأما عن العنصرية الطائفية والمذهبية الدينية عند العرب، فهي واضحة عيانًا بيانًا دون الخوض فيها، انظر إلى العراق وسوريا ولبنان، وإلى مصر بين الحين والآخر حين تندلع الحساسيات بين المسلمين والمسيحيين، فيذهب كل فريق مُتعصبًا لمذهبه، فالمسلم يُريد أسلمة البلاد وفرض الجزية على العباد وتحقيق مبدأ الأمة وعودة الخلافة من جديد، والمسيحي يُريد إحياء القومية القبطية وعودتها كلغة من جديد.

الدواء "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"

أظن -حسب رأيي- أن تلك المُشكلة مرُكبة ومعقدة لدرجة يصعب فهمها إلا بتحليلها وتفكيكها وفقًا للفلسفة البنيوية، حتى نعلم مواطن العيوب ونعمل على حلها وفصل الشوائب عنها، وبالتالي نكون قد ظفرنا بصورة عامة بعدما ألممنا بخواص الصور وآحادها، والحل عندي يتلخص في النقاط التالية:

  • اللغة

واللغة هنا لا أقصد اللسان المُتعارف عليه بين الشعب، لكن أقصد طريقة استخدامنا للمفردات اللغوية أثناء تعاملنا مع الآخر، خاصة لو كان هذا الآخر مُختلفًا عنا، فلو نظرنا لكتاب الاستبدال الكبير لـ "رونو كامو" سنجد استخدامه لعبارات من نوع (الغُزاة، المُحتلين، الغزو الديموغرافي العميق) تلك الألفاظ تدعم التطرف اليميني في أوروبا لصالح الرجل أو العرق الأبيض. فعلينا اختيار مفردات أكثر مرونة وسلاسة وأدبًا لوصف المُختلف عنا، هذا إن كان يحق لنا وصف الغير.

 

  • الأيديولوجية

الإشكالية قائمة في التعصب الأيديولوجي المُتصلب في شرايين هؤلاء، فالأديان كلها جاءت لمحاربة التصلب الأيديولوجي، فلو كانت الأيديولوجية تُنمي الفرقة والاعتداءات فلا نفع منها، وفي إهمالها نجاة للبشرية، فمثل ذلك التعصب الأعمى يدفعنا إلى أدلجة القضايا الإنسانية؛ مثل القضية الفلسطينية، والقضايا العرقية، فنتعاطف مع القضية وفقًا للإيديولوجية بدلًا من التعاطف مع الإنسان كإنسان. فالأدلجة تدفعنا بالضرورة نحو التعصب الأعمى للأفكار، ورفض الحوار والاختلاف.

  • الحرية

السؤال المطروح هو ما معنى الحرية؟ وكيف نفصل بين الحرية والفوضى؟ والإجابة تكمن في المسؤولية، فالحرية دون مسؤولية هي فوضى، فحدود وسقف حرية المرء ما يتحمله من مسؤولية.

فأنا حر في عالمي الداخلي -الذاتي- أن أؤمن بما شئت من معتقدات وأيديولوجيات، ولكن لست حرًا في أن أفرض تلك المعتقدات والأيديولوجيات على العالم الخارجي، لأن العالم الخارجي ليس لي وحدي، فهو يضم 8 مليارات إنسانٍ غيري، فبالتالي تأثيري على العالم الخارجي محدود وجزئي، والإنسان الذي يود بسط سيطرته وفكره وعرقه على الآخرين هو المُستبد الظالم.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة