بعد 20 عاما عادت "طالبان".. هل تعود "داعش" أيضا؟

تصريحات قادة طالبان وحارس غني أثناء تسليم القصر الجمهوري
تصريحات قادة طالبان وحارس غني أثناء تسليم القصر الجمهوري (الجزيرة)

تسقطت الولايات الأفغانية في يد حركة "طالبان" ولاية تلو الولاية، مع هرب رئيس البلاد أشرف غني إلى جهة مجهولة وسقوط الجيش الأفغاني ودخول مقاتلي الحركة العاصمة الأفغانية كابل.

الجيش الأفغاني الذي يعدّ نحو 300 ألف عسكري، وأشرف الأميركيون على بنائه وتسليحه، على مدى الأعوام الـ20 الماضية بكلفة 83 مليار دولار، لم يصمد بوجه الحركة وباءت جهود واشنطن بالفشل في "تحويله إلى قوة قتالية مستقلة مع تنامي الشعور بالخذلان، تجاه قادة البلاد الذين يفتقرون إلى الكفاءة"، حسبما تؤكد صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

هذه المشهدية أعادت القلق والتوجس في نفوس بعض الدول العربية، وذلك خوفاً من عودة حكم "طالبان" بعد 20 عاماً على غزو أفغانستان، وبالتالي الخوف من عودة المدّ الأصولي مجدداً بعد أنّ ظنّ العالم أن "الهزائم" التي تعرض لها تنظيم "القاعدة" وثم من بعده تنظيم "داعش" الذي احتفلت واشنطن قبل 5 أشهر بالذكرى الثانية لهزيمته. ظن الجميع أن هذه التنظيمات باتت من الماضي، إلاّ أن العقارب الساعة عادت إلى الوراء مجدداً، فهل الأمر يتطلّب بضع سنوات إضافية أو أشهراً حتى يعود "داعش" أيضاً؟

حركة "طالبان" أكدت لأكثر من قوة دولية، أنّها لن تسمح باستخدام أفغانستان، كقاعدة للتآمر ضد أي دولة أخرى، إلا أن العودة إلى التاريخ قد تضع هذه الهواجس في نصابها الصحيح.

فأفغانستان تحولت إبان الحرب الأفغانية السوفياتية إلى نقطة استقطاب للجماعات "الجهادية"، التي جاء بعضها من الدول العربية، وانتشرت أفكار تلك الجماعات في العديد من هذه الدول، ثم دخلت في مواجهات مع أنظمتها التي تخشى اليوم أن تتحوّل أفغانستان مجدداً، إلى نقطة تجمع أو انطلاق لهذه الجماعات، خصوصاً أنّ ما حصل في أفغانستان في الأيام الماضية، يظنّ البعض أنّه سيكون انطلاقة لاستعادة هذه التنظيمات لثقتها بنفسها، وسيؤكد لها أن "الجهاد" هو الوسيلة الوحيدة لإثبات الذات وتحقيق الأهداف السياسية.

ولعلّ ظهور "داعش" في أفغانستان مؤخراً، لم يكن إلاّ مؤشراً إلى هذه الهواجس، رغم المنافسة الظاهرية بينه وبين "طالبان". فتنظيم "داعش" بعد انكساره في سوريا والعراق، نفذ عمليات ضد الحكومة الأفغانية، وكان أبرزها هجوما صاروخيا قبل نحو شهر، قرب القصر الرئاسي في كابل، وثّقته عدسات الكاميرات وانتشرت مشاهده على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما من يقف خلف عودة هذا التنظيم، فالآراء متضاربة، لكنّ روسيا تتّهم الولايات المتحدة مباشرة بذلك، إذ تقول وزارة الخارجية الروسية إن واشنطن "تتعاون مع داعش شمال أفغانستان"، وتكشفت أن "مروحيات لم تحمل أي علامات تسجيل تُرصدها منذ العام 2017 داخل مناطق أنشطة مسلحي التنظيم وخصوصاً شمال البلاد".

كما تذكّر مصادر روسية بنبوءة وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، بعودة التنظيم "داعش" التي تعتبرها نبوءة لافتة جداً. أوستن قال نهاية يونيو/حزيران أمام الكونغرس إنّ "تنظيمات مثل القاعدة وداعش ستبعث تهديدات عنيفة في غضون عامين قادمين خصوصاً إذا حدثت أشياء معينة، مثل انهيار الحكومة الأفغانية أو حل قواتها الأمنية".

وظهر "داعش" في أفغانستان لأول مرة في عام 2015، وذلك بعد عام واحد من ظهوره في سوريا والعراق، ليقاتل من خلالها الحكومة الأفغانية ومنافسته حركة "طالبان"، لكنّه تعرض للتقهقر وعاود الظهور في العام الماضي.

وعاد الحديث العربي مجدداً عن جدوى محاربة هذه التنظيمات إلى جانب الولايات المتحدة وصرف أموالاً طائلة من دون نتيجة، خصوصاً أن واشطن تحاول أن تنسب لنفسها الانتصار على التنظيم تارة، ثم تتوقع بعد ذلك ظهوره مجدداً.

ففي الحرب على "داعش" في العراق وسوريا، برزت تقارير في الإعلام الأميركي تلقي الضوء على تكلفة الحرب ضد التنظيم، لكنّها لا تذكر التكاليف التي تكبّدها "أصدقاء" واشنطن في "التحالف الدولي"، وخصوصاً الدول العربية التي دفعت من ثرواتها وسمعتها وسمعة الدين الذي تعتنقه شعوبها (الدين الإسلامي).

وإلى جانب الحديث العربي، تعتبر روسيا أنّ واشنطن "وظّفت قدراتها الإعلامية والدعائية للتقليل من أهمية مشاركة بعض الدول في الحرب على التنظيم"، وتبدي مصادر روسية مقربة من الكرملين امتعاضها منذ ذلك، وتقول إنّ واشنطن "سعت إلى نشر أفكار مشوّهة حول دور موسكو في المساعدة على ضمان استقرار المنطقة، ناسبة إلى نفسها الفضل كاملاً وبشكل منفرد".

المصادر الروسية تخصّ بالذكر ملف هزيمة "داعش" وتعتبر أنها "ما زالت إلى اليوم، تقاتله في بعض المناطق السورية، وكذلك المناطق الحدودية مع العراق، رغم إعلان واشنطن الانتصار عليه قبل سنتين".

موسكو تتهم أيضاً وسائل إعلام أوروبية بفعل الأمر نفسه، وترى هذه الوسائل أنّ "مساهمة روسيا في محاربة داعش كانت رمزية، ولا تقتصر إلاّ على بعض الأعمال اللوجستية"، وهو ما يثير غضب موسكو التي تدافع عن نفسها من خلال المجاهرة بتخليها عن مواطنيها الذين "ثبت تورطهم مع هذا التنظيم في العراق وسوريا طوال سنوات القتال"، وتقول إنها تخلّت عنهم و"لم تبذل أي جهد لاستردادهم".

المصادر الروسية تبدي أسفها أيضاً للتهم التي تُوجّه إليها في الملف الليبي، وتقول إن "مراكز الأبحاث والدراسات السياسية في أميركا تصوّر أنّ ليبيا باتت بالنسبة للكرملين نقطة مركزية ثانية لأنشطته في منطقة الشرق الأوسط بعد سوريا"، وأن موسكو "تحاول أن تكون صانعة القرار الرئيسي" في طرابلس، وذلك من أجل "تعزيز وجودها" في المتوسط لتحقيق الحلم الذي فشل البلاشفة والقياصرة في تحقيقه، وهو الوصول للمياه الدافئة ومن أجل "محاصرة أوروبا من خاصرتها الجنوبية"، وذلك في محاولة لبث الرعب في الدول الأوروبية دوما، وهو أمر تنفيه موسكو بشدّة.

لكن رغم هذه الروايات، فإن موسكو تعتبر أن عودة ظهور هذه التنظيمات سببها السياسات الأميركية، وأن "سبب التقدم الروسي" في منطقة الشرق الأوسط، إن كان في سوريا أو في ليبيا وربّما مستقبلاً في غيرها من الدول "ليس إلاّ نتيجة الإهمال الذي أظهرته الإدارات الأميركية المتعاقبة، وخصوصاً إدارة الرئيسين باراك أوباما والرئيس الحالي جو بايدن".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة