ما زلت أذكر انفجار بيروت..

أية أمة نحن التي لم ترَ في تاريخها غير الدماء؟ أية أمة تُعاني من الشقاق والفراق والخراب والدمار؟ (رويترز)

 

يقول فاروق جويدة:

ما زلت أذكر انفجار بيروت.. ولن أنسى!

برغم القهر والطغيان يا بيروت

لا زالت أغانيك

وكل قصائد الأحزان يا بيروت

لا تكفي لتبكيك

ما زلت أذكر انفجار بيروت كأنه البارحة، وقد سجلت غاضبا في دفتر يومياتي بعد الحادثة بـ5 أيام أقول:

يا عرب، قد فقدت دمعي فأنتحبت دما!

لقد جف دمعي على حالنا نحن العرب من قبل تلك الكارثة، وما إن وقعت حتى لم يبقَ في عيني دمع أجهش به، فهاج صدري واستبدلت عيني بالدموع الدمَ؛ فهو ما تبقى لي.

ماذا ستقول تلك المولودة البيروتية التي ولدت في ساعة الانفجار؟ ماذا سيقول لها والداها لمّا تكبر وترى الخراب؟

سيقولان؛ ولدتِ في يوم مشؤوم وكنتِ كبسمة الأمل لنا من بعد بيروت.

أية سنة تلك؟ وأي زمان ذلك؟ وأي أناس نحن؟ فما حدث لا يُفسر باللسان. بيروت المجدلية العفيفة، كيف أصبحتِ والجراح قارحة في جسدك؟ كيف حالك الآن؟ كان نزار قباني عاتب عليك بأن قُتلتْ فيك بلقيس؛ واليوم مات ما تبقى من بلقيس، ولو أدرك نزار ما حل بك أيتها المجدلية لقال:

"بيروت

إن هم فجروك..

فعندنا كل الجنائز

تبتدي في كربلاء

وتنتهي في كربلاء"

أية أمة نحن التي لم ترَ في تاريخها غير الدماء؟ أية أمة تُعاني من الشقاق والفراق والخراب والدمار؟ أمتنا لو رسمنا لها لوحة فهي لوحة طفلة ملطخة بالدماء والتراب، فهذه أمة قُتلت في مهدها من قبل أن تولد، منذ يوم كربلاء صارت أيامنا كلها كربلاء.

أيها الباكون ألا كفوا، فهل أعاد البكاء وطنا من غياهب الخراب؟ ولو فعل ذلك لعادت إلينا فلسطين منذ زمن.

أيها الحمقى المتعجرفون الذين لا يفهمون في الذوق، أنا شديد القرف منكم، بيروت نصفها صار رمادا وأنتم تقومون بالغناء لها، وتقومون بإلقاء كلمات الأغاني الجوفاء ظنّا أنكم تحفزون أهلها على النهوض مجددا؛ فتقولون "قومي من وسط الرماد يا بيروت".

أيها الأعمى الأحمق هل تنتظر بيروت تلك الأغنية الفارغة التي تحفظها أنت لتقوم؟ هل ينتظر أهلها أمثالك الذين لا يفهمون معنى الذوق كي ينهض كل واحد منهم؟ فلتحترم حالة الحزن التي نمر بها ولتصمت قليلا، والصمت هنا أبلغ من الكلام.

هذه ليست حربا لتحفز أهلها على أن يسعوا للانتحار، وإنما هي خراب في خراب، فاصمت قليلا واحترم العزاء، ففي تلك الحالات عليك بأحد الأمرين؛ إما البكاء أو السكوت.

هل ترى أن بيروت ستنهض بأغانيك؟ ستقول "نحاول أن نساعد"، فهل تعرف أن الصمت يكون أكثر إفادة في مثل تلك المواقف؟ وهل تعلم أنه أكثر من 100 ألف طفل شُرد بلا منازل وأنت تغني "قومي يا بيروت"؟ المئات والمئات قتلوا ودفنوا تحت الأنقاض وأنت تغني "قومي يا بيروت"، الآلاف من أهل البلاد -أطفال وعجائز- باتوا في العراء، وأنت تغني "قومي يا بيروت"، ألا تبا لك، قم وارحل عنا أنت.

فلتتخيل أن هناك انفجارا حدث في بيتك ورأيت زوجتك تحترق أمام عينيك، وأطفالك صاروا مُتفحّمين، وبيتك صار رمادا ودخانا، وصرت أنت مبتورا ومقطوع الأطراف، واتصل بك أحد الأصدقاء ليطمئن عليك فقال لك محفزا "قم من وسط الرماد، قم.. قم.. قم..".

كيف سيكون رد فعلك على ذلك الأحمق الذي يُغني لك وأنت في تلك الحالة؟ هل ستقوم وتنهض فعلا أم أنك ستبصق في وجهه؟

فليس الجميع كالأديب مريد البرغوثي الذي قال عن هؤلاء الطوباويين "احترموا وجع الناس، احترموا غضبهم، كفوا عن تكرار العبارات الإنشائية وكليشيهات التحبب والتغزل كقومي وانهضي وست الدنيا.. إلخ. احترموا هذا الألم!".

هؤلاء الذين لم يواكبوا الحدث إلا عن بُعد حريّ بهم أن يصمتوا ولو قليلا؛ فنحن هلكنا وسئمنا من المراثي والأغاني، وصارت القبور مضاجعا لنا، وصارت الكلمة أسيرة بين الشظية والشظية.

أيها المنافقون المترفون المتربحون من وراء هتافاتكم الجوفاء، يا أيها الذين يبكون في العلن وفي السر يمرحون بكل دهاء، تبا لكم. هؤلاء المشاهير الذين ما إن حدث انفجار لبنان حتى بدؤوا في نشر الأغاني الرثائية والكلمات الحزينة والألحان الشجية تحفيزا لبيروت حتى تنهض، وألصقوا في صفحاتهم كمّا من التغريدات المُبكية بجانب صور حداد، وصور لشهداء، ومقاطع لأطفال تحت الأنقاض، وغيرها من الأمور التي تهيج القلب وتُلفّعه بغمامة من البكاء.

وما إن تمر 5 أيام على الحادث إلا وتراهم استبدلوا بتعليقاتهم الحزينة بعض النكات الساخرة الهازئة من سنة 2020، واستبدلوا بصور الشهداء صورهم على الشاطئ في عطلة نهاية الأسبوع، واستبدلوا بمقطع الانفجار مقطعا لهم وهم يقلّمون أظافرهم في صالونات التجميل، ما هذا؟!

أي نفاق هذا؟ أي كذب وجهل وتزييف هذا؟ هل تتربحون من وراء أفعالكم تلك؟ هل اندملت جراح بيروت؟ هل جفت دماء الشهداء؟ أم أنكم كذابون خداعون مزيفون؟

أين الحقيقة في ذلك العالم؟ بل أين الحقيقة فينا نحن العرب؟

البطولة زيف، والكلمة ربح، والشرف كذب. في ذلك الزمان ينقلب كل شيء، زمان بلا فضائل وبلا قيم ولا أخلاق، زمان أجوف، زمان كذب وبهتان، زمان يغلب فيه الرعيان والسفهاء.

أية حياة تلك؟! من هؤلاء؟ ومن نحن؟ وكيف صرنا إلى ما نحن عليه الآن؟

هذه السيدة التي كانت بالأمس تبكي على بيروت وتنشر لها صورا وتُردد بعض الأغاني الجوفاء كالحمقاء المغرورة بجمالها، ما إن تمضي أيام قليلة على الانفجار حتى تنشر صورتها في صالون التجميل بعد أن قلّمت أظافرها ولونتهم بألوان وردية لامعة معلقة "إني شاكرة للعاملين في ذلك الصالون على ذوقهم الرفيع". وليس هذا فحسب؛ بل وتنشر صورة لها على الشاطئ والمياه تداعب قدميها، يا لها من امرأة فاقدة للحس والذوق حقا!

وذلك السيد الذي كان في الأمس يذرف الدمع على بيروت، واليوم ينشر صوره في إحدى المطاعم، يا له من متصنع كاذب!

إن قرفي يزداد من هؤلاء؛ كيف لهم فعل ذلك؟ الكذب والمراوغة ليست من شيمنا، ولكن في ذلك الزمان تبدلت شيمنا كما تبدلت الفضائل كلها.

تبدل الحال منذ أن سقطت فلسطين وصار الفلسطينيون مشتتين وبنو صهيون أهلا للبلاد؛ صار الكذب صدقا، والخيانة أمانة، والكره حبا، والقبح جمالا، والوقاحة جرأة، والخلاعة حرية، صرنا في زمن يحكمه المسخ، المسخ الأعلى فينا.

تعال يا نزار يا صديقي وقل لهم كيف أصبحنا وصرنا، صار الأديب بهلوانا والبهلوان أديبا، أخبرهم يا صديقي، أولم تقل:

"وأقول: إن عفافنا عهر

وتقوانا قذارة

وأقول:

إن نضالنا كذب

وأن لا فرق

ما بين السياسة والدعارة"

ليتهم سمعوك يا نزار يا صديقي، ولكنهم كذابون مخادعون ومنخدعون، فقد صار الجاني مجنيا عليه، وصار القاتل بطلا، وصار المُنحط أميرا، وصار السافل من الأعالي، وصار البهلوان كلّ الأعالي.

صار الإعلامي مزورا غشاشا، والصحفي كذابا أفاقا، وصار الحارس لصا سراقا، وصار الشريف وضيعا والوضيع شريفا. إنه زماننا العربي؛ حيث يحكمنا اللاشيء، لله درّ تميم البرغوثي حينما قال:

"زمان هوّن الأحرارَ منا .. -فُديت- وحكّم الأنذالَ فينا"

صرنا هكذا منذ أن صار من يتحدث وينادي بحق فلسطين يتربح من ورائها أموالا طائلة ويتربح من وراء كفاحه.

اغتالوا بيروت، كما اغتالوا فلسطين.

هؤلاء الذين يتربحون بشعارات الحرية، هؤلاء بعض الشهيرين الأغبياء الحمقى الذين يرسمون العار على جباههم كل يوم، هؤلاء الذين لم يرتقوا من طور البهيمية بعد، مجموعة من الدواب، فمِن الدواب ما تمشي على 2، ومنها على 4، وهم من 2 إلى 4.

نعيش في عصر الكذب والتدليس، في عصر مسيلمة الكذاب وأبي لهب، نعيش في زماننا العربي، شهوة المال والتزوير، ما قيمة الحياة؟ ما قيمة تلك الحياة؟ وماذا سأروي للأجيال القادمة عن جيلي وعن الأجيال السابقة؟! وماذا سأقول عن العرب؟ ما الذي يجوز قوله عنهم إلا العجائب؟!

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة