شعار قسم مدونات

الجائحة بين الطب والشعر..

سخر من لقاح كورونا.. ثم ماذا حدث له
بالعودة إلى الطب فإنني أرى أن عملي في الطب لا ينفصل ولا يتناقض مع حبّي الأدب والشعر (غيتي)

لقد كثر وصف وباء كورونا في وسائل الإعلام وفي الأوساط الصحفية بكلمة "الجائحة"، وهي كلمة تفيد معنى المصيبة الكارثة المأساة النازلة النائبة وما إلى ذلك من المرادفات التي يحفل بها المعجم العربي.

أذكر انني أول مرة أقع على هذه الكلمة الغريبة عليّ حينئذ كانت منذ 20 سنة تقريبا في مجلة "العربي" الثقافية التي وصلني في ذلك الحين بعض أعدادها إلى البرازيل. كانت "الجائحة" عنوان قصيدة عمودية عروضية كتبها شاعر سوري راثيا فيها الشعر العربي وملقيا باللوم على ما تعورف بتسميته "قصيدة النثر" والشعر الحر. أذكر من أبياتها:

خنجر التاريخ لن يرحم مغرورا تعرّى
مزّق الثوب الجميل حسب الألغاز بحرا
هذيانٌ جرّ آلافا إلى اللاشيء جرّا

هذا ما أسعفتني به الذاكرة من تلك القصيدة التي لشدة إعجابي بمعناها ومبناها ولكثرة تكراري قراءتها حفظتها عن ظهر قلب.

كنت مدافعا شرسا عن عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، وحتى في دروس الأدب البرازيلي كنت أعترض على تصنيف أسماء كبيرة مثل البرتغالي فرناندو بيسوا والبرازيلي كارلوس دروموند دي أندرادي في خانة الشعراء، وذلك بسبب كون معظم أعمالهم لا تلتزم بالعروض البرتغالي التقليدي، وقد سجلت احتجاجي هذا لدى أساتذتي في المرحلة الثانوية في البرازيل. وفرناندو بيسوا، هذا الذي عاش بين القرنين الـ19 والـ20 للميلاد يعدّ أهم شعراء الحداثة باللغة البرتغالية، ومن أكثر الشعراء البرتغاليين حبًّا للغة العربية. يتميز شعره بالنفحة العرفانية وبالأصوات المتعددة التي تكلم فيها عبر شخصيات خيالية اختلقها وأعطاها خصائص مميزة وأسلوبا شعريا خاصا بكل واحدة منها.

واليوم في زمن الجائحة الكورونية أجد نفسي في حلٍّ من عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي طيب الله ثراه، وأجد نفسي في عداد الذين وصفهم الشاعر السوري في قصيدته على بريد قراء مجلة العربي بالمغرورين وأصحاب الهذيان؛ فسبحان مغيّر الأحوال.

وهذا التغيير في نظرتي إلى الشعر لم يحدث بين ليلة وضحاها، وإنما كان وليد مطالعات وتجارب وتلاقح أفكار مع نخبة من أهل الأدب والشعر، ومنهم مَن هم على درجة عالية من البراعة في امتلاك ناصية العروض الخليلي. ولا ريب أن مطالعاتي في مجال التصوف كان لها بالغ الأثر فيّ للتحرر من القيود العروضية وتذوّق الجمال في نصوص نثرية بديعة.

فليس هناك شعر عمودي وشعر تفعلية ونثر شعري؛ الشعر هو الشعر سواء كتبته على أوزان الفراهيدي، أو سكبته في قصيدة التفعيلة، أو حطّمت الضوابط الشكلية كافة وعبّرت عن خلجاتك ومكنوناتك وبنات أفكارك بواسطة النثيرة، أو ما يعرف بقصيدة النثر. تعريف الشعر بأنه الكلام الموزون المقفّى هو تعريف ظاهري قاصر لا ينفذ إلى عمق الكينونة الشعرية.

فالشعر هو مساحة التلاقي بين الروح والجسد، وبين الحلم والواقع، وبين العوالم المشهودة وعوالم الغيب المتواري خلف الحجب. لذلك ليست هناك أي جائحة في تحطيم العروض الخليلي؛ هناك نصوص منثورة كل حرف فيها يضاهي قصيدة عمودية نظمها فحل من الفحول، وهذا يعتمد على سعة ثقافة كاتب النص المنثور وعلى عمق إلهامه. وفي كثير من الأحيان يكون الإبداع في قصيدة النثر أو التفعيلة أصعب بأشواط من الإبداع في الأوزان الخليلية.

ومن الأدباء والشعراء الكبار من كان يرفض رفضا مطلقا قصيدتي النثر والتفعيلة، وينكر أن من الممكن تصنيفهما ضمن نطاق الشعر، من هؤلاء الأديب والشاعر المصري الكبير عباس محمود العقاد الذي كان من كبار المجددين في الأدب العربي والنقد، ولكنه كان شديد الحملة على الأشكال الجديدة للشعر التي راحت تتخذ حيّزًا أوسع يومًا بعد يومًا.

ومهما كان من أمر، ومهما احتدم الجدال بين مناصري القديم التراثي التقليدي ونظرائهم من مؤيدي الجديد والتحديث في أشكال الشعر وموضوعاته، فإن ما سُمِّيَّ بقصيدة النثر وقصيدة التفعلية قد صارا أمرًا واقعًا لا يمكن نقضه ولا تجاهله، وإن كان نقده ممكنا، لا بل واجبًا. القيمة الجمالية للنص مردّها في الدرجة الأولى إلى روحه، وحين تكون الروح قوية صلبة، فإنها لا يضيرها أي الأشكال اتخذت في النصوص المكتوبة. فالشاعر شاعرٌ إن نظم القصائد العروضية التقليدية، أو قصائد التفعيلة والنثر، والشعرور شعرور في أي القوالب سكب كتاباته. فالنقد يجب أن يكون منصبًّا على جودة النص وليس على شكله.

وبالعودة إلى الطب، فإنني أرى أن عملي في الطب لا ينفصل ولا يتناقض مع حبّي الأدب والشعر وهوايتي التي أمارسها في الكتابة. أعدّ الطب والأدب جناحيْ الطائر الذي هو أنا، أو قدميْ الرجل الذي هو أنا، إن أردنا تعبيرًا أكثر واقعية وأقل مجازًا. أحب مهنتي وهوايتي وأعشقهما، وأبذل غاية جهدي في الوصال الواجب على الحبيب لمحبوبه وعلى العاشق لمعشوقته. الطب يقيم أَوَدي ويخدمني إذ أخدم الآخرين، والأدب يقوّم روحي وينقذها من موتها كمدًا. الشعر هو قرباني الذي أقدمه على مذبح الحق والخير والجمال؛ الجائحة الحقيقية عند طبيب يحب عمله وهاوٍ يعشق هوايته هي في عالم يخلو من الشعر ويفيض باللامعقول وباللامعنى.