الخطاب السياسي في المزاج الثوري والجماهير..

ذكرى الثورة السودانية
كل ثورة في مجتمع أو بيئة معينة تحتاج إلى تفسير خاص (الجزيرة)

ليس هناك مصطلح واضح قادر على أن يفسر لنا أو يشرح ما الثورة. هل هي ردة فعلٍ أو أنها تغير في المزاج العام تجاه السلطة القائمة في قطر جغرافي معين؟ في الواقع هناك كثير من المفردات والمصطلحات التي لا تحُصى عن مفهوم الثورات وأنواعها. ولكن من وجهة نظري، هي نسبية وغير ثابتة؛ فكل ثورة في مجتمع أو بيئة معينة تحتاج إلى تفسيرٍ خاص.

شرح الثورة كل من عزمي بشارة وراشد الغنوشي -على سبيل المثال- في كتاباتهم السياسية والتنظيرية -كونهما منظرين في العصر الحديث- في تفسيرهم الانفجار الثوري، ولكن نستطيع أن نلخصها بشكلٍ سريع على أنها لحظة تاريخية ومفصلية في تاريخ الشعوب، حيث تخرج الجموع عن طورها في لحظة غضبٍ على السلطة القائمة بسبب التراكمات الطويلة من الإرهاصات السياسية والإدارية، التي مارست الفساد المنظم وسرقة أموال الشعب. طبعًا هذه ليست قاعدة ثابتة؛ لأن الثورة مرتبطة بالخطاب الذي يسيطر على الجماهير والقادر على ديمومة الثورة في زخمها ووجدانها العاطفي من خلال الشعارات التي تروق الثوار والعوام. ولكن ما الرابط بين الثورة والخطاب السياسي؟

من دون معرفتهم، إن كل الزعمات السياسية الحاليين والسابقين هم علماء نفسٍ ويدركون كيفية التحكم بالشعوب وتنويمهم مغناطيسيًا. إن الفرد عندما يدخل بين الجماهير يتحول إلى كائنٍ مختلف عما كان عليه في حالته الفردية؛ فبمجرد دخوله إلى الجماعة يتخلى مباشرةً عن ذكائه ووعيه وإدراكه، وحتى شخصيته -التي كان يتمتع بها- وينصهر في الوعي الجماعي الذي تديره الخطابات الشعبوية والعاطفية. حتى تحت القبة البرلمانية، النواب يختلفون -بطبيعة الحال- عن العوام في نسبة وعيهم وفهمهم السياسي ونسبة إدراكهم، ورغم كل تلك الميزات، فإنهم يتأثرون أيضًا بالاندماج الجماعي، فتراهم يصوّتون على قوانين كانوا يعترضون عليها في حالتهم الفردية.

لقد درس فرويد علم النفس الفردي، ولكن غوستاف لوبون وسّع دائرة هذا العلم وقام بدراسة المجتمع وسلوكه وأخلاقياته، وهذا ما يُعرف بعلم نفس الجماعي وهو جزء من علم النفس الاجتماعي، قد يسأل القارئ ما علاقة هذا الموضوع بالعنوان؟ وما الرابط بين الثورة وعلم النفس الجماعي والخطاب السياسي؟ لقد سُميت السياسة بالعلوم السياسية لأنها مرتبطة بعدة علوم منها علم النفس؛ فمن يمارس الخطاب السياسي أو الديني عليه أن يفهم ويفقه المزاج الحاصل بين صفوف الجماهير؛ فالجمهور لا يهمه المنطق ولا اللغة العقلانية ولا النظريات، فهو يريد خطاباتٍ تظهر القوة والأساطير والأكاذيب التي تُشبع رغباته الثورية. فعلى سبيل المثال، عندما قامت الثورة الفرنسية، جوهر الثورة وهدفها السامي كان الحريات، فخطب نابليون بونابرت -الرجل الذي يجيد السيطرة والخطاب السياسي- لاغيا الحريات وفارضًا القيود السياسية فصفق له اليعاقبة، فالثوار ثاروا من أجل الحرية ثم سلبهم نابليون حريتهم بخطابٍ عاطفي برضاهم وكامل إرادتهم.

رغم أن الخطابات الشعبوية العاطفية أدت إلى نكساتٍ وتخبطاتٍ في الكثير من التجارب الإنسانية والسياسية، فإنها ضرورية خاصة في الثورات لتجنب الثورات المضادة ونجاحها، سوف نفسّر هذه المعضلة المعقدة قليلًا، إن مثل هذه الخطابات تكتيك للحفاظ على المزاج العام ومنع الانقلاب والذهاب إلى المقلب الآخر.

فالسلطة التي أُطيح بها أو تم إضعافها تدرك كيفية تغيير المزاج تجاهها رغم كل الدمار الذي ألحقته بالشعب والدولة، فتقوم بنشر خطابٍ طائفي وإطلاق نظرية المؤامرة تجاه ما يحدث وأن الخطر قادم؛ فهذه هي لغة وأسلوب الطغاة في استرداد الشارع، فالناس بطبيعتها تنسى وهي عاطفية، فتلقائيًا تعود إلى ما كانت عليه بدون أن تشعر بسبب شعورها بالخوف وعدم الأمان، وما حدث في تونس مؤخرًا خير مثال على ذلك. بدأت الثورات العربية من تونس، وبعد قرابة 10 سنوات، عادت الدكتاتورية مقنعةً بخطابٍ يُحاكي ويلامس عواطف الناس وتحبه الجماهير، فكسرت النمط الديمقراطي الذي حاربت من أجله وأسقطته عن قناعةٍ وحججٍ غير مقنعة في علم المنطق والعقل.

أما في لبنان، فلقد وصل المزاج العام إلى حالةٍ من التمرد الواسع على الأحزاب الحاكمة وبيئتهم بعد ثورة 17 أكتوبر/تشرين الأول خاصة بعد تفجير مرفأ بيروت، ولكن رغم كل تلك المصائب التي سببتها السلطة الحالية، فهذا لا يكفي كي تنتصر الثورة في المعركة الانتخابية المقبلة؛ فإن الأحزاب الحالية بارعة في الخطابات التي تُنسي الناس همومها وتشعرهم أنهم في خطرٍ قادم من الآخرين، فتبدأ بخطاباتٍ طائفية وعاطفية جياشة كي تُنظم الصفوف وتُقرع طبول الحرب، هكذا تستعيد السلطة قواعدها الشعبية ولو جزئيًا، ولكن إن استطاعت القوى المعارضة والثورية من طرح خطابٍ سياسي مرن ووسطي يجمع بين المنطق والعاطفة، تستطيع أن تعيد بعض قواعدها المتفلتة بسبب تشرذم المجموعات والأحزاب وتوحيد الصفوف ضمن ائتلاف حتى وإن كان تكتيكيا وليس إستراتيجيا.

إن عقلنة التغيير والخطاب السياسي مطلوب لحدٍ ما ولكنه مستحيل على الجماهير الذي يتخلى عن عقله وعن منطقه في مراحل حساسة، ولكن ما يجب فعله هو المزج بين العقلنة والعاطفية وبين المادة والروح، هكذا نستطيع أن نطلق خطابٍ سياسي للجمهور يستقطب فيه كل النخب المجتمعية مع بعضهم البعض.