عيد مخيمات الشمال المحرر..

قصة أحمد تختصر قصص الطفولة المعذبة في الشام على مدى أكثر من عقد، لكن الأغرب من ذلك كله هو انتظار الأهالي من العام إلى العام وجبة لحوم الأضاحي (مواقع التواصل الاجتماعي)
قصة أحمد تختصر قصص الطفولة المعذبة في الشام على مدى أكثر من عقد، لكن الأغرب من ذلك كله هو انتظار الأهالي من العام إلى العام وجبة لحوم الأضاحي (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

حرصت على تمضية عيد الأضحى المبارك مع العائلة والأطفال في الشمال السوري المحرر حيث الأقارب وأصدقاء الطفولة ومرابع الصبا، يحدو ذلك كله الحنين إلى الجذور.

كان المشهد من معبر باب الهوى على الحدود مع تركيا حتى تفتناز الواقعة على خط النار الأول مع العصابات الطائفية ومليشيات الاحتلال الروسي صورة سريالية تُبكي القلوب قبل العيون، خيام بالية بنيت على عجل لملايين المشردين الذين اقتلعهم الاحتلال الروسي والإيراني من أرضهم، تماماً كما ينتظر أهالي درعا المحاصرين اليوم، في الوقت الذي لا يخجل النظام وسدنته المحتلون من عقد المؤتمرات لإعادة 14 مليون مشرد دمر بيوتهم وبناهم التحتية ولا يزال.

 

على وقع القصف الهمجي الوحشي المتواصل في جبل الزاوية وغيره من المناطق المحررة، ووقْع تصريحات وزير الدفاع الروسي بأنه جرّب أكثر من 325 نوعاً من الأسلحة على الشعب السوري، يواصل الصغار والكبار هنا في المحرر احتفالهم بالعيد، لكنه عيد ممزوج بالغصّات والعذابات والموت القادم من المحتلين وأذنابهم على مدى أكثر من عقد.

يتقدم نحوي أحمد (7 سنوات) وهو يسلّم عليّ بانتظار العيدية التي يترقبها أطفال الشام من العام إلى العام، فأعيّده 5 ليرات تركية، فجأة ترتسم على وجهه كل سعادة الدنيا، يدسّها في جيبه ليقول لي "هذه أول مرة يعايدني شخص"، قصة أحمد تختصر قصص الطفولة المعذبة في الشام على مدى أكثر من عقد، لكن الأغرب من ذلك كله هو انتظار الأهالي من العام إلى العام وجبة لحوم الأضاحي، لكن أحدهم في البلدة فضّل أن يذبح ذبيحته يوم وقفة عرفات ليوزع اللحم على صائمي هذا اليوم.

 

في يوم العيد وما بعده لم يُخف الأهالي امتعاضهم واستياءهم لتراجع ذبح الأضاحي هذا العام في الشمال المحرر عن غيره من الأعوام الماضية، مما زاد من إحباطهم أن تخلي العالم عنهم وعن قضيتهم لم يعد سياسياً وإنما امتدّ ليشمل ربما الإغاثة.

 

يشعر المرء وهو يتجول في الشمال السوري المحرر وكأنه قد هبط فجأة على سطح القمر، فالناس هنا كأنهم انشقوا عن مجموعة شمسية بشرية، أو أن العالم اختار أن يلقي بها بعيداً عنه في كوكب لا يراها ولا تراه، ولذلك لا يسأل عنها ولا يعرف عنها شيئاً، بينما الأهالي يواصلون عدّ أيامهم.

الكل هنا حريص على سؤال من يأتي من وراء الحدود هل يعرف بنا العالم؟ هل يتحدث عنا؟ ما الذي سيحصل لنا؟ ماذا يريدون منا؟ كل هذه الدماء والعذابات لا تكفي لإسقاط مجرم قاتل فعل كل هذا. أسئلة وغيرها الكثير تبحث عن جواب لدى سكان الشمال المحرر.

يشعر أهالي الشمال السوري المحرر أن أرضهم سائبة أمام قصف عصابات الاحتلال الروسي، ولا شيء يوقفهم عن عربدتهم، ولا يخفي أهالي المحرر اليوم امتعاضهم لكن على مضض من الفصائل الثورية التي لا تردّ بالقوة الكافية الرادعة للمحتل وعصاباته، وشمل التنديد في مظاهرات عمت الشمال المحرر الضامن التركي الذي يرونه عاجزاً عن لجم المحتلين وعصاباتهم.

 

هذه العربدة التي تستهدف جبل الزاوية بشكل مباشر اليوم تستهدف المدنيين بشكل مباشر، فهم يريدون أرضاً بلا شعب تماماً كما فعل اليهود مع الفلسطينيين، يقول الحاج سعيد (70 عاماً) من جبل الزاوية "كل سني هنا هدف للمحتلين الروس والإيرانيين والعصابات الطائفية، فالجنين الذي قتل بالأمس في قصف روسي بالنسبة لهم حامل للسلاح بعد 20 عاماً ولذا فقتله اليوم وقتله بعد 20 عاماً سيّان لديهم".

جبل الزاوية الذي يطلق عليه سور الثورة العظيم حيث سقوطه يعني سقوط المحرر عسكرياً، مستهدف الآن وبشكل يومي من الطيران الروسي من أجل إخلائه من المدنيين لتتقدم المليشيات الروسية على الأرض، وهو ما تسبب بموجة غضب شعبي غير مسبوقة حيث يرون أن التهجير الجديد سيدفع بتكديس الناس في مخيمات تزيد المعاناة اجتماعيا ونفسيا، تترجم بشكل يومي كحالات انتحار واقتتال عائلي.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة