والذي قدّر فهدى..

ضحك الأطفال (بيكسابي)

 

خلال مطالعة عرَضية ضمن إحدى المواد قبل أيام لمعلومة تشير إلى دور التلقي لدى الطفل عن طريق المواقف الدرامية التي تشحن بالمعاني والرسائل المراد إيصالها بدل التلقين المباشر، تذكرت الطفولة وذلك الصبي الذي كان القدوة الحسنة والرسم المثالي للنموذج المفضل من الخِلال والذي يشكل رؤية التوجيه المراد من صناعة هذا النموذج، فلا يستولي على بال الصغار شيء مثل ما تستولي مواقف العظمة والتحدي وتحقيق الخوارق، وهو ما يمكن أن يتسنى حسّيًّا وعلى أي صعيد معنوي من خلال حصد رقم قياسي وبلوغ درجة مثلى وفائقة في الموضوع القيمي المعين، لنصبح أمام النموذج المعجزة، الأمر الذي يمثّل أساسا لإغراء ذهنية الطفولة بالقدوات التربوية من هذه الزاوية وتحويل العلاقة بالمعاني والمفاهيم إلى إعجاب وهواية وتعلق بالممارسة، ومن منظور احتفائي تتفاعل معه حنايا الطفل ويشعر بالعظمة والفرادة وهو يجسد الدور ذاته الذي صنع نجومية آخرين هم القمة والرواد في نظره الذي أسهمت تلك المعاني في تكوينه.

 

ولقد كان ذلك الطفل الذي سكن بيتنا نموذجا ذهنيا من هذا القبيل، وما كنت إخال ساعتئذ أنه يؤدي جزءا من مضمون عملية التواصل مع الطفل ليصبح شيئا غير مذكور في عداد الناس، فما هو إلا قالب مرحلي ثم تُواصل القضايا المفاهيمية سبيلها ونمو مراحلها ويبقى ذلك الشبح الوديع بمكانه غير قابل للتنقل عنه، إذ ما هو بشخص فيُرى ولا كائن فيتطور، وعلى الرغم من ذلك يطبع الذهنَ والفؤادَ بالصور التي تحتفظ له بالعهد وخالص المشاعر، ولو نقّبت بالذهن عن صوره لما وجدت الدهر قد نال من جدتها، فأذكر وصفا تاما لموقف منه ذات ضحى إذ خُتم الموقف بتوشيحه بنظرات وكلمات الإعجاب والتقدير من بعض الزوار الذين تَصادف معهم، وكان ذلك تعزيزا لرصيده، وتلميعا لصورته التي كانت زاهية بما يحفظ مكانة ألقه.

وإذا ما حاولت استحضار ملامحه فلن أصل إلى طائل إذ لم أتقابل طبعا معه، وكيف تمكن مقابلة من لم يستو بين الناس في إهاب مثلما هم، ولكن فقط أقف على ملامحه في الموقف المعيّن والمسلك والحال، مع أن طابع المجهولية لم يحل دون أن ينال ذلك النموذج كامل مكانته ذهنيا، فكان المعنى أقوى من المثال المُشاهد، وكان الوجدان فضاء لتَصوّر الغائب الحاضر والتفنن في إعطائه ما يواتي من الملامح ويتوافق مع محفّزات هذا التخيل.

 

لاحقا وبعد أن غزت الصناعة الدرامية بقنوات الأطفال مشهد التلفاز، أصبح من الممكن أن يلمحه النظر في أي سياق من سياقاتها التوعوية والتوجيهية، وفي التعليم عن طريق الترفيه، لكونها في العديد من نسخها إحدى الآليات التي تستثمر مخاطبة وجدان الطفل من هذه الخلفية ومن خلال ذلك المنطلق.

واللافت هو مستوى الاستعداد الذي يبدو بالطفل الناشئ عموما في ما يتعلق بالتفاعل والتلقي عبر هذه الوسائط ومضامين عروضها، ولا أدلّ على ذلك من حقيقة الانجذاب لها والاستمتاع بها بوصفها وسيلة تسلية لدى فئات الأطفال بالمراحل المختلفة ومنذ نعومة الأظفار، ليكون التفسير الأجمل هو ما وقر بسمعي إزاءها قبل أيام.

جاءت كلمات ذلك التفسير لتعبّر عن ميول الأطفال إلى الشاشات والتفاعل مع المحتوى الخاص بهم المقدم عبرها بأنه يندرج تحت دلالة الآية "والذي قدّر فهدى"، فمن الذي أوحى إلى الطفل بمفاتيح العلاقة مع تلك الشاشات والعوالم المتضمنة بها، وأنى له أن يهتدي تلقائيا وشعوريا في مساربها لو لا أنه تيسير فطري تغطيه معاني الآية.

 

ولكن هذا يعيدني أيضا إلى مسألة  التفاعل مع العالم غير المرئي والمشهود أيضا، ولعل قابلية الصبا لتوسيع حدود العلاقة مع العوالم بتمثلاتها الوجدانية والدرامية المصنّعة أمر ينبئ بعض الإنباء عن  هذه الذهنية التي هي مرحلة أولى لدى الإنسان.