محمد طه القدال.. رحل تاركا الأرض بلا قصيدتها!

الشاعر محمد طه القدال (مواقع التواصل الإجتماعي)

 

هكذا رحل نديًّا أخضر كما عاش، وعجيب أن يكون الثائر أخضر نضرا، متوقدا، فكأن قدر الشجر الأخضر أن يكون مصدر النار التي يوريها بنو آدم، وحسبك توقد القدال في كلماته عن الأرض وعرق الفلاح، وهتافاته هو لبلب هو لبلب.. مخاطبا الحصاد والمحصول والإنتاج.

ولم يكتف القدال وحده بالرحيل، بل أراد الله تعالى أن يصحبه أحد أقدم كتاب القصة القصيرة السودانية إن لم يكن أقدمهم، وهو القاص عيسى الحلو، وثلثهم في رحلتهم السماوية إلى رحمات الغفور الرحيم بإذنه الإعلامي زهير بادناب، ولكنني أتوقف هنا مع القدال، فشعره مدرسة قائمة بذاتها.

 

محمد طه القدال أحد شعراء القرى الذين كانوا أعضاء الطبقة الوسطى المنحازة لهموم المساكين والمكافحين أو من اصطلح على وصفهم بـ"الغُبُش"، ونظيره في هذا حميد، والسر عثمان الطيب وود بادي، قبل أن تأتي موجة البادية وشعرها وإحياء فورتها مع البشري إبراهيم (ود البطانة) ورصيفته الشاعرة نضال حسن الحاج.

والقدال فوق ذلك ابن حقبة ما بعد الاستقلال وهموم النهضة بالسودان، ومواجهة تحديات السياسة ومآزق النضال بالكلمة، وهذا أمر شاركه إياه شعراء مرحلته، ولعل أميز ميزات شعر القدال أنه شعر قضية اجتماعية، فلم يكن شعرا نخبويا، بل بقي شعبي الصور والأخيلة والمزاج، وبقي منتميا لأجواء القرية والفلاحة دون عداوة مع المدينة، فالتصالح بين الريف والمدينة ومحاولة إقناع المدينة أن تهتم بالريف كان شعارا لتلك الحقبة وشعرائها.

 

ومن مفارقات السودان الأليمة أن يكون القدال وجيله يعالجون القضايا ذاتها، الهم المعيشي للمواطن المسكين والحرية مناطحين النظم الاستبدادية، وهاجس الهوية الذي أدى التأخر في الإجابة عنه، أو تحويل الإجابة عنه إلى برامج واضحة لما يعيشه السودان من مخاوف التفتت اليوم، والأكثر ألما أن المعالجات الفنية والأدبية لن تكون بالقوة ذاتها، ليس لأن الأول لم يترك للآخر شيئا، ولكن لأن الآخر رضي بتقليد الأول، أو حتى احتذاء الناجحين من نظرائه.

ففراغ الموت في حالة القدال مثلًا يخلف ألما مضاعفا لبقاء الأصوات الشعرية الشبابية الشعبية مأسورة بتجارب الناجحين كبشري إبراهيم، ونضال الحاج، وهذا بقدر ما هو إغفال لعنصر المغامرة الجوهري في الإبداع، إلا أنه يؤثر في المعالجة الأدبية والفنية للقضايا المذكورة آنفا، ما يولد أزمة عميقة في ذاكرة الشعب ووجدانه، وحركته الحضارية وقدرته على الفعل، وإن كان ما يخفف الرزء أن الإشكال في النثر أقل حدّة، فعلى الرغم من سطوة نموذج الطيب صالح، فإن لديك نماذج مميزة تركت بصمتها كأمير تاج السر، وعبد العزيز ساكن، وحمور زيادة.

 

ما يتبقى وينبغي الإشارة إليه أن المعاصرة حجاب، فالطيب صالح شمس حجبت كواكب نيرة، رغم أنه في ذاته كان متواضعا قليل البحث عن الشهرة والأضواء، وكان بسيطا قريبا من الناس، ولكن في الوقت ذاته، قادت شهرته إلى عدم التركيز على أسماء كثيرة بارعة في حقول كثيرة، لكأن العرب أتخموا به، فاكتفوا به عمن عداه، ويكاد ينافسه وإن كان في سياق علمي أكثر: البروفيسور عبد الله الطيب، إلا أن السودان لا يزال مجهولا عند كثيرين، فمن يعرف في العرب محيي الدين فارس، أو محمد عبد الحي أو محمد المكي إبراهيم، أو صلاح أحمد إبراهيم، أو حتى عبد العزيز ساكن؟

سؤال غربة الثقافة السودانية عن رصيفتها العربية يحتاج إلى اهتمام دولة وبصيرة إعلام وحيوية مثقفين وذاكرة يقظة من شعب أجهدته الأيام.

رحم الله القدال وعيسى الحلو وزهير بادناب الإعلامي الخلوق..