جيرَان بلا هَمٍّ خِلانْ

الجيران أكثر قربا في الأحياء الشعبية- بيكسابي
الجيران أكثر قربا في الأحياء الشعبية- بيكسابي (غير معروف)

 

قال تعالى: "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين"- سورة الزخرف

كنت أسكن بمجمع سكني يوما ما، وبعد غياب طال قليلا عدت لزيارة أحبتي كبارا وصغارا، وكلهم كبار، بمجمع الأحباب كما سميناه.

وحين وصلت للمجمع كان الأطفال يلعبون بملعب كنا قد أعددناه لهم، وحين رأوني تجمعوا حول السيارة يهتفون "الكابتن جه (جاء) الكابتن جه"، "عمو أهو عمو أهو" ولكَم كانت فرحتي بهم، أوقفت السيارة حيث التفوا حولها! وبسرعة نزلت وسلمت عليهم واحدا واحدا.

وكم كنت أتمنى أن آتي لهم بهدايا كما كنا نفعل لهم في مباريات كرة القدم يومئذ. كانت مفاجأة لهم نظرات حميمة ومشاعر جميلة تبادلناها. تساءلت: لم كل هذا الحب؟ فتذكرت دعوة أمي رحمها الله لي دائما "روح يا بني ربنا يحبب فيك خلقه" وأيضا الأثر الطيب الذي وفقنا الله له في كل خطوة من عمل نتقدمه، نية خالصة لله سبحانه ونحمده على ذلك، وإلا ما كنت لأستحق ذْ

إنها لحظات لا تمحى من الذاكرة، فدونتها، لعله يستفاد منها، قابلني أحد أبناء المجمع يدعى عبد الله عابد الصغير (الكبير) قابلني بحضن شديد مناديا "عمووو" وسألني مرددا "هتيجوا يا عمو؟" يقصد العائلة "هل ستعودون إلى المجمع؟ وحانت صلاة المغرب وصلى معنا الأطفال بمسجد المجمع.

ثم زرت أحد الأحباب (م. خالد) بصحبة جاري عابد، وجلسنا معا، وكم كانت حفاوة أهل بيته لنا، ودار حديث يملؤه الحب ومشاعر الأخوة الصادقة.

وبعدما صلينا العشاء، قام الأخ أبو عدنان السوري مسرعا يحتضنني، ويبكي ويقول كلمات حركت مشاعري "سمعت صوتك فقلت أهو هو؟ فهممت أن أحبو للمسجد غير مصدق". إنها العلاقة القائمة على الحب في الله، ثم جلسنا في حلقة حب واطمئنان على أحوالنا مع رواد مسجد المجمع، وكانت حفاوة أي حفاوة! ذكرتني بيوم وداعي لهم ليلة سفري..

وبعدها زرنا أخا آخر حبيبا اسمه محمد الحبيب، ونعم البيت "بيت قرآني".

وانتهى اللقاء بمجمع الاحباب، ولن ينتهي إن شاء الله.

ومن المصادفات الطيبة أنه في رحلة عودتى لدوحة الخير قابلني بالطائرة أحد خلان المجمع يجلس بجانبي!! أهي صدفة؟ بل هو التوفيق الرباني القائم على الحب في الله.

أخي القارئ

أحياناً نتساءل عن سر هذه المحبة والقبول في الأرض لشخص ما؟

فتأتي الإجابة في قول الله جل في علاه:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا  (مريم 96).

إن حب الناس لا يقاس بكثرة رؤيتهم لبعضهم. لكن هناك أناسا يستوطنون القلب رغم قلة اللقـاء.. إنه القبول الذي نادى به الله ملائكته "إني أحب فلانا فأحبوه". فيحبه الناس كما ورد في الأثر من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" إنها تقوى الله التي يبقى أثرها في الدنيا كما تبقى في الآخرة، قال تعالى "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين"- سورة الزخرف.

إنه الإحسان الذي أمرنا الله به "وأحسن كما أحسن الله إليك" وقوله تعالى "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" إنه الأثر والغرس والكلم الطيب الذي تعلمناه من رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال "وخالق الناس بخلق حسن" إنه الحب الذي جمعنا على غير أرحام بيننا، وهكذا هم المتاحبون في الله يوم القيامة يكونون على منابر من نور، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مكانتهم من الله، إنه دور المسجد في التواصل الاجتماعي حين يحقق قيمة الجوار، ودور الملعب في الانسجام مع الأطفال، وعلاقات الود بين الزوجات والحب، إنه الإخلاص لله الذي حركنا لتلك المشاعر والأهداف.

فاللهم كما جمعتنا في الدنيا بخلان لنا بمجمع الأحباب وكل خل نحبك فيه.. اجمعنا إخوانًا متحابين، على سرر متقابلين في جناتك جنات النعيم، في صحبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم (صلوا عليه وسلموا تسليما) آمين..