شعار قسم مدونات

إيزابيل إيبرهارت.. هل يمكننا اختيار أوطاننا؟

إيزابيل إيبرهارت (مواقع التواصل الإجتماعي)

 

الاستطلاع أمر يستهوينا جميعا، فهو جزء من فطرة الإنسان، يجسد رحلتنا منذ الطفولة والنشأة. مع بلوغ الإنسان سن الرشد، واستقراره يتعود على بيئته وقواعد مجتمعه. ويجد في ذلك راحة نفسية، فيتراجع ذاك الحس الاستطلاعي الذي طالما حفزه على استكشاف ما هو جديد، خاصة فيما يخص الترحال والتجوال وتغيير الأوطان.

 

ومثل أي قاعدة عامة، دائما هناك استثناءات. إحدى الاستثناءات الإنسانية لهذه القاعدة هي المستكشفة والكاتبة والأديبة السويسرية إيزابيل إيبرهارت، ابنة العائلة الأرستقراطية ذات الأصل الروسي، التي تركت حياتها في سويسرا لتعيش حياة رجل بدوي في صحراء الجزائر باسمها المستعار "محمود سعدي".

كانت إيزابيل تتحدث الفرنسية بطلاقة، بالإضافة إلى الروسية والألمانية والإيطالية، ودرست اللاتينية واليونانية والعربية، كما درست الفلسفة والتاريخ. في سن 16 عاما تمكنت إيبرهارت من قراءة القرآن باللغة العربية، ومنذ بدايتها مع قراءة القرآن كانت تقول إنها تشعر بانسجام لاشعوري مع الإسلام، وأراضيه البعيدة بالنسبة إليها.

 

تأثرت بعد ذلك بالروايات التي كتبها الأوروبيون المستوطنون في شمال أفريقيا، وهم يصفون تجاربهم في "الشرق". ولكي تبقى على اتصال دائم مع هذا الجزء الجديد من العالم بالنسبة إليها، تبادلت إيزابيل الرسائل مع ضابط فرنسي متمركز في الصحراء الجزائرية يدعى "أوجين لوتورد" ليخبرها عن أحوال المغرب العربي.

 

في سن 18 عاما، وهي لا تزال في سويسرا، بدأت إيزابيل كتابة رواية بعنوان "رؤى المغرب"، تتحدث عن مغامرات فتاة روسية أثناء رحلتها في صحراء الجزائر، وبعد 3 سنوات من كتابة روايتها، قررت إيبرهارت تجسيد قصتها على أرض الواقع، وأن تسافر بنفسها الى المغرب العربي.

في سنواتها الأولى، عاشت إيزابيل مع والدتها في تونس، ومن ثم رحلت إلى مدينة "عنابة" شرق الجزائر، واعتنق كلاهما الإسلام بعد أشهر من قدومهما. كما كانت إيزابيل تكتب للصحف مقالات تتحدث عن أحوال العائلات الجزائرية ومعاناتها تحت الاحتلال. بعد وفاة والدتها قررت إيزابيل السفر مجددا، هذه المرة جنوباً، فبعد تجربتها في "عنابة" ذهبت إيزابيل للعيش في "وادي سوف" و"باتنة" و"وادي مزاب".

لطالما وجدت إيزابيل في الرحيل نوعا من الراحة، تقول في ذلك "لأولئك الذين يعرفون قيمة الحرية الانفرادية ومذاقها الرائع (لأن المرء يكون حرًا فقط عندما يكون بمفرده)، فإن المغادرة هي الأشجع والأجمل على الإطلاق".

كانت إيبرهارت تسافر وهي مرتدية زي رجل عربي أو تركي، وتقدم نفسها على أنها "سي محمود سعدي"، مما سمح لها بالسفر بحرية أكبر عبر الصحراء. تقول إيزابيل في مدوناتها إنها -حتى إن كُشفت هويتها- لم تكن قلقة كثيرا لذلك، لأن أخلاق العرب هناك كانت تثمن كتم أسرار الضيف.

مرتدية ملابس فضفاضة، مع طربوش أو عمامة على رأسها المحلوق، ذهبت في رحلات استكشافية على ظهور الخيل عبر الصحراء، من خيمة إلى أخرى. لم تكن أسفارها جغرافية فحسب، بل كانت روحية كذلك. تعرفت على الطريقة القادرية، وهي طريقة صوفية في الإسلام، وأصبحت من أتباعها. وفق منظورها فإن مفهوم "القضاء والقدر" يناسب أسلوبها البوهيمي للحياة، فقد ارتاحت حينما أدركت أن كل الخطوات العشوائية في حياتها لم تعد عشوائية، بل لكل قرار تتخذه معنى وهدف.

 

خسرت إيزابيل إيبرهارت ذراعها في محاولة اغتيال خُططت من طرف السلطات الفرنسية التي اعتبرتها محرضًا خطيرًا، نظراً لقربها من العرب ومعتقداتهم المناهضة للاستعمار، خاصة أنها أوروبية ومثقفة، وتتقن العديد من اللغات. بعد هذه الحادثة نُفيت إيزابيل إلى فرنسا، وتعرفت هناك على جندي جزائري في الجيش الفرنسي اسمه "سليمان هني"، والذي كان أيضا ينتمي لإحدى الطرق الصوفية، فتزوجت به سنة 1901، مما منحها الحق في الرجوع إلى الجزائر.

بعد رجوعها إلى الجزائر استقرت مع زوجها في مدينة "عين الصفراء" جنوب غربي البلاد، وقضت آخر سنواتها هناك. كانت في منتصف العشرين من عمرها، ولكنها كانت تبدو أكبر من ذلك بكثير. يرجع هذا إلى البيئة القاسية للصحراء التي لم تترعرع فيها.

 

في تلك الفترة كانت تقدم خدمات استخباراتية للجنرال الفرنسي "ليوتي" من أجل تسهيل توغل القوات الفرنسية في المغرب. وعلى الرغم من أنها كانت تناهض الاستعمار طوال حياتها، فإنها -على ما يبدو- كانت على ثقة من أن الحماية الفرنسية التي ستتم وفقًا لأساليب الجنرال "ليوتي"، ستُفيد المسلمين في المغرب عكس الاحتلال الاستيطاني في الجزائر.

توفيت إيزابيل إيبرهارت سنة 1904 وهي في السابعة والعشرين من عمرها، إثر سيول أغرقت مدينة "عين الصفراء" ودمرت المنزل الذي كان الزوجان يقيمان فيه.

عادة ما يهاجر الناس من أوطانهم هربا من وضع اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي سيئ، ولكن إيزابيل أعطت معنًى آخر للهجرة، فبالنسبة لها لم تكن سويسرا أبدا وطنها، بل وجدت لها وطنا في البادية، حيث تقول:

كل ما أريده هو حصان جيد كرفيق أبكم ومخلص، وحياة بعيدة قدر الإمكان عن صخب أجده عقيمًا جدًا في العالم المتحضر.

وهي التي وصفت نفسها بأنها:

بدوية لا وطن لي غير الإسلام، لا أسرة، ولا أصدقاء مقربين. سأشق طريقي في الحياة إلى أن يحين وقت القبر.

 

كتبت إيزابيل إيبرهارت مئات الصفحات من الملاحظات والقصص والآهات والتجارب الإنسانية، كتبت عن حالة التضاد بين الشرق والغرب وكتبت أيضا عن حالة الإنسان في كل مكان. كادت كتاباتها أن تندثر مع موتها المفاجئ في فيضان وادي عين الصفراء في جنوب الجزائر، لولا العثور على مخطوطاتها سليمة، ملفوفة وسط الأوحال وتحت أنقاض بيتها.

قال جون روني إيلو وماري أوديل ديلاكور، في مقدمتهما لكتاب "كتابات على الرمل" (الذي يحوي الأعمال الكاملة لإيزابيل إيبرهارت) "لقد تمت المحافظة على أعمال إيبرهارت من أكبر الأخطار، وهو النسيان. وذلك على الأرجح تم بفضل بقاء الموضوع الذي أوحى بها، أي المواجهة بين الشرق والغرب، وكذلك لأنها تعتبر شهادة فريدة على الاستعمار، وأيضا لأنها تبقى دعوة فاتنة للسفر".

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.