هل يمكن للمشروعات الصناعية أن تصنع الفارق؟

إن مجال العمل الذي أخوض فيه منذ نعومة أظفاري في التعامل مع المعدات الصناعية والآلات الكهربائية وقطاع الطاقة المتجددة قد أوجد لدي العديد من الخيارات (الجزيرة)
إن مجال العمل الذي أخوض فيه منذ نعومة أظفاري في التعامل مع المعدات الصناعية والآلات الكهربائية وقطاع الطاقة المتجددة قد أوجد لدي العديد من الخيارات (الجزيرة)

 

تتخبط الجغرافيا العربية اليوم نتيجة الأزمات التي تضربها من كل حدب وصوب، تتفجر فيها الصراعات، وتحيط بها أزمات الضعف العربي والتغول الغربي على مقدرات الشرق، وتلتف جائحة كورونا حول عنق الفرد والمؤسسة والدولة على حد سواء، لنعيش حالة غير مسبوقة من التخبط والعشوائية بدت واضحة على كل المستويات، بداية بالمستويات السياسية، مرورًا بالمستوى الأكاديمي، وصولًا إلى محالّ البيع الصغيرة وتماسك الأسرة وحالات تفكير الإنسان الفرد بواقعه ومستقبله.

 

إن هذه الحالة القاسية من الألم النفسي والتخوف من الغد المرتقب تتطلب من النخب العاقلة في المجتمعات أن تبادر لطرح مشروعات حقيقية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وأنا هنا لا أتحدث عن المشروعات الضخمة والعملاقة على المستوى المتعلق بالدولة أو قطاعات الأعمال الكبرى، بل أتحدث عن المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر التي يمكن لها أن تلفت النظر إلى إمكانية إحداث تغيير في كيان فرد ما في المجتمع، أو مؤسسة صغيرة استطاعت أن تقفز فوق معيقات الواقع لتصنع صورة من النجاح تخترق حاجز الصمت القاتل الذي يشكل عائق اليأس والإحباط العام نتيجة مستجدات الواقع.

إن دعوتي للشباب اليوم من خلال هذه الكلمات أن يشمروا عن سواعدهم وأن لا ينتظروا الفرص لتهطل عليهم من السماء، بل أن يشكل كل واحد منهم بادرة على المستوى الفردي بحد ذاته، من خلال الاستباق الفعلي للأحداث، وإتاحة الفرصة لنفسه وبيئته الصغيرة ومجتمعه من بعد ذلك أن يشاهد نموذج نجاح فعلي لفرد استطاع من خلال توجهه المثمر نحو مشروع صناعي صغير أن ينجح وينتج، وأن يقدم للمجتمع كفاية صغيرة ومحدودة في مجال احتياج هذا المجتمع، ولو تكرر هذا المشهد على مستوى مجموعة من الأفراد بتوجهات مختلفة لكان للبيئة الصناعية على المستوى الأعلى جاذبية تحرك رؤوس الأموال لكسر صمتهم وانعزاليتهم وتخوفهم من المستقبل.

صحيح أن خبرة رؤوس الأموال ورجال الأعمال والقطاع الخاص في كل مجتمع لا يستهان بها، ولكن رأس المال جبان -كما هو معلوم- وهو يحتاج في كثير من الأحيان إلى محفز ليتقدم بمشروعات على المستوى المتوسط والكبير، ولذلك كانت دعوتي هذا اليوم للشباب أن يكونوا هم المحفز الفعلي لهذه الشرائح الحيوية والمهمة، وحتى يكون المحفز فاعلًا ومثمرًا لا بد أن يكون انتقاء الشباب لمشروعاتهم الصناعية مدروسًا بعناية، بحيث يحققون به النموذج الإيجابي قبل الربح المادي مهما كان بسيطًا وصغيرًا.

إن مجال العمل الذي أخوض فيه منذ نعومة أظفاري في التعامل مع المعدات الصناعية والآلات الكهربائية وقطاع الطاقة المتجددة قد أوجد لدي العديد من الخيارات على المستوى الشخصي، وهي تجربة أرغب بالفعل في فتح عيون الشباب عليها، فهذا العالم يمثل حجر الزاوية في أي اقتصاد حالي أو مستقبلي، وتوجه الشباب نحو المشروعات الصناعية الصغيرة والمتناهية الصغر يمثل خطوة في المسار الصحيح، وهو أمر قد لا يدعمه المجتمع والبيئة المحيطة بالشاب في بداياته، ولكنه مسار مضمون النتائج في حال نبع من حاجة المجتمع، ليكون لكل شاب خط إنتاج بسيط يلبي به استقلاله المادي وحاجة مجتمعه في زاوية معينة فيتحقق التكامل الإيجابي، وتبعث في كل مجتمع طاقة جديدة للحياة والأمل.

 

إن من واجب المسؤولين في جميع الدول وعلى اختلاف توجهاتهم ومستوياتهم أن يشكلوا الحاضنة الفعلية لتوجهات الشباب في المجال الصناعي، وفي حال انعدام المسؤولية في أي دولة تجاه هذا المسار الاقتصادي الناضج، فإن من مسؤولية الشباب أن يبادروا بأنفسهم وبما يستطيعون من قدرات فردية وأسرية ليبدؤوا مشروعاتهم الذاتية، وعندما أتحدث عن القطاع الصناعي بمستوياته الصغيرة، فإني أعلم أن إقبال الشباب على هذا القطاع سيولد لديهم الرغبة بمزيد من الإنتاجية والمبادرات التي تكبر يومًا بعد يوم، نتيجة خبرتهم في القطاع الصناعي وآليات التعامل التجاري والتفاعل البشري التي تستتبع ذلك بالضرورة، ليتشكل في كل مجتمع رواد أعمال جدد، قادرون على فهم المجتمع الذي ترعرعوا فيه صغارًا، وخدموه شبابًا، ليقودوه اقتصاديًا في ظل الأزمات بكل اقتدار وعنفوان.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة