كيف استفاد كل من أربكان وأردوغان من السلطة الرابعة؟

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (الأناضول)
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (الأناضول)

 

اقتضت التقاليد السياسية أن تكون هناك 3 سلطات رئيسة تحكم أوضاع البلاد: السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، ولقد منحت الدساتير كل سلطة من هذه السلطات استقلالية قانونية، سمحت لكل منها، منفصلة، بتحمل مسؤولية أداء واجبها، ضمن مناخ من العدالة والمساواة في الحقوق بين أفراد ومؤسسات المجتمع.

من هنا برزت أهمية وجود سلطة رابعة تعبّر عن جموع الشعب وتحمل نبضه وقناعته تجاه السلطة الحاكمة، فكانت وسائل الإعلام التي عُدّت السلطة الرابعة أمام السلطات السياسية الثلاث، فقد أصبحت الصحافة ذات تأثير دائم في الجماهير ونالت تفويضًا ضمنيًا من القواعد الشعبية التي تعبر عنها وتنطق بلسانها وتنقل إلى العالم أجمع آلامها وآمالها.

 

أصل التسمية!

في السابق عُرفت الصحافة بلقب "صاحبة الجلالة" أما مصطلح "السلطة الرابعة" فتعود نشأته إلى بداية بزوغ فجر الأنظمة الديمقراطية، في القرنين الـ18 والـ19، عندما قال المفكر البريطاني "أدموند بروك" في إحدى جلسات مجلس البرلمان البريطاني "هناك 3 سلطات تجتمع هنا تحت سقف البرلمان لكن السلطة الرابعة تجلس في قاعة المراسلين وهي أهم منكم جميعًا".

وانتشرت هذه التسمية أيضًا عن طريق المؤرخ "توماس كارليل" في كتابه "Heroes and Hero Worship in History" (الأبطال وعبادة البطل في التاريخ)، في الوقت الذي كان فيه العالم يشهد مرحلة انتقالية من النظام الدكتاتوري الشمولي إلى النظام الديمقراطي القائم على مبدأ فصل السلطات، وترسيخ مبدأ الحريات العامة والخاصة، هذا وقد رأى كارليل أن الصحافة لها دور أساسي في ولادة الديمقراطية ونموّها، بحيث تنشر الحقائق وتُثير الثورات على الطغيان.

من هنا أُطلق في البداية مصطلح "السلطة الرابعة" (Fourth Estate) على الصحافة، ليتوسّع في وقت لاحق ويشمل كل وسائل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع.

 

قوة السلطة الرابعة

وتنبع أهمية الإعلام وكذلك الصحافة من تأثيره الكبير والمباشر في النسبة الأكبر من الأفراد، لا سيّما أنه يكون موجهًا لفئات المجتمع المختلفة كافة ومحملًا بالثنائية الغائية المتمثلة في المتعة والهدف في الوقت ذاته، وهو ما يجعله يبدو كسلاح ذي حدّين له آثاره السلبية الهدامة كما أنَّ له آثاره الإيجابية البناءة، وهذا ما يجعله محطّ أنظار الساعين وراء السلطة والتأثير في الآخرين واستقطاب الأصوات والجماهير، مما قد يجعله يبدو بالغ الضرر إذا ما أسيء استخدامه ووقع بأيدي الطامعين، في حين إنه يكون أداة للرقي والرفعة والنهضة الثقافية والسياحة الفكرية إذا ما استغلّ على النحو السليم.

وعلى الرغم من إمكاناتها المحدودة، فقد برهنت السلطة الرابعة أنها قادرة على تغيير كثير من المسارات الخطأ في بعض البلدان، وحماية واسترداد حقوق المضطهدين والأقليات في العالم.

 

السلطة الرابعة والانقلابات العسكرية

بعد وقوع الانقلاب العسكري الأول في تركيا عام 1960 الذي أسفر عن الحكم بإعدام الرئيس جلال بايار ورئيس وزرائه عدنان مندريس، تجاوب النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع هذا الحدث الذي لا يُنسى، فكان نتيجة التغيّر والتحول المفاجئين أنه قد صارت الصحافة أشد أهمية ممَّا مضى؛ إذ بدأ كثير من الأكاديميين والطلاب والناشطين والجمهور كذلك، يدفعهم الفضول لمعرفة مجريات الأحداث وأخبار الصحافة والإعلام اللذين كانا أول مصدر للمعلومات عن الوضع في البلاد.

وبعد وقوع الانقلاب العسكري الثاني عام 1971 تم تعديل كثير من قوانين الدستور ومن بينها بعض القوانين المتعلقة بحرية الصحافة، وكان حال السياسة والصحافة بالدولة يُرثى له، واشتدت الصراعات بين الليبراليين والقوميين والمحافظين والشيوعيين، ونتيجة لهذه الصراعات اغتيل في عام 1979 الصحفي والناشط عبدي أيبكجي علي أيدي من اشتُبه أنهم أعضاء في إحدى جماعات اليمين التركية المتطرفة، وكان هذا الحادث يومًا صعبًا على الصحافة والصحفيين الأتراك؛ نتيجة للشعور بعدم الأمان على النفس لا لشيء إلا لمجرد اختلاف الأفكار والمعتقدات.

 

السلطة الرابعة وأربكان

ظهر نجم الدين أربكان كأول شخصية إسلامية يتحدى الجبهة العلمانية وخاض معركته الشهيرة ضدها على إثر صحوة كان قد أثارها الكاتب التركي محمد شوكت ايجي عام 1968 بإصدار صحيفة أسبوعية متواضعة جدًا اسمها "اليوم" (Bugün)، هذه الصحيفة البسيطة أيقظت الملايين من القطاع المحافظ في تركيا، وبثّت الوعي السياسي بين القاعدة الشعبية بسرعة وفي أمد قصير، فانتهز أربكان هذا التطور بانطلاقاته الشعبية وخطاباته النارية واتصالاته المستمرة بالجمهور، فكان له نصيب الأسد من تأييد القطاع المحافظ (الصوفي منها بخاصة).

واستفزّ هذا الانتشار المتصاعد للتوجه الإسلامي العلمانيين، فأصدرت محكمة أمن الدولة العليا قرارًا عام 1971 بحلّ حزب النظام الوطني الذي أسسه أربكان بتهمة انتهاك الدستور العلماني، لم يهدأ أبو الإسلام السياسي أربكان وأسس حزبه الثاني حزب السلامة الوطنية عام 1972 وحرص هذه المرة على امتلاك سلاح جديد يدافع به عن مبادئه في وجه العلمانية، فأولى اهتمامًا كبيرًا لوسائل الإعلام مؤسسًا لصحيفة "Millî Gazete" (مللي غازيته) -ما زالت تصدر إلى اليوم- وكانت الصوت المعارض للوضع السائد في البلاد في المرتبة الأولى ثم أضحت منبرًا للدفاع عن أربكان وحزبه الجديد ومبادئه التي ينادي بها، والجدير بالذكر أنه قبل تأسيس هذه الصحيفة كانت بوصلة الصحافة والإعلام التركي متجهة نحو الغرب، ولذلك كان الأساس الذي قامت عليه صحيفة "مللي غازيته" واضحا في شعارها "قل جاء الحق وزهق الباطل" وهي أول مرة في تاريخ تركيا تُستخدم فيها آية قرآنية شعارا لصحيفة، وقد وضع أربكان مبادئ الصحيفة وفق هذه الآية الكريمة وانطلق ينشر فكره وأهدافه للجميع عبر صحيفته، وعندما ظهرت المحطات التلفزيونية الخاصة لم يقف أربكان عند هذا الحد من استخدامه للسلطة الرابعة بل أنشأ محطات تلفزيونية منها القناة السابعة والقناة الخامسة.

 

السلطة الرابعة وشفرة انقلاب 15 يوليو/تموز

لقد استخدم "التنظيم الموازي" التابع لفتح الله غولن الصحافة والإعلام لمصلحته في أثناء التخطيط للانقلاب، إذ مهَّد الانقلابي فتح الله غولن للانقلاب العسكري في تركيا بشكل خبيث في دعايات نشرها بصحيفته الشهيرة المملوكة له، صيحفة "زمان" التركية، وقد نشر هذه الدعايات قبل الانقلاب بأشهر لتهيئة أتباعه للتغيير الكبير الذي يخطط له -وهو الوصول إلى سدة الحكم- ذلك التغيير الذي تُصوّرُه تلك الدعايات في نهايتها بشكل واضح، وكان من أوضحها دعاية تبدأ بصافرة "إنذار" فوق سماء إسطنبول يظهر بعدها طفل رضيع "يضحك"، حيث كان هذا الإعلان بمنزلة "رسالة مشفرة" لتاريخ الانقلاب، فكما هو معروف فإن مدة الحمل الطبيعية هي 280 يومًا أو كما يحسبها الأتراك 9 أشهر و10 أيام، ولو أضفنا هذه المدة إلى التاريخ الذي ظهر به الإعلان -الذي به صافرة الإنذار والطفل الذي يضحك- الذي نُشر في الصحيفة في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2015 سنجد أن التاريخ الناتج هو "15 يوليو/تموز 2016" وهو تاريخ ليلة الانقلاب العسكري في تركيا، والمدهش أكثر من ذلك أن الطفل في الإعلان يضحك، وكلمة "ضاحك أو الذي يضحك" في اللغة التركية تعني "غولن"!

والجدير بالذكر أن صحيفة "زمان" التركية التابعة لمنظمة فتح الله غولن تم اقتحامها وإغلاقها في مارس/آذار 2016 بأمر قضائي، وذلك بعد أن فطنت المخابرات التركية لما يدور في أروقة هذه الصحيفة، حسب رواية مقربين من أجهزة الدولة.

ولا يخفى على أحد أن أول عمل قام به الانقلابيون في ليلة 15 يوليو/تموز هو اقتحام مقر التلفزيون الرسمي "TRT" وقراءة بيان الانقلاب على جموع الشعب، الذي تضمن إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية في البلاد؛ مما يبرز مدى فهم الانقلابيين لأهمية السلطة الرابعة.

 

السلطة الرابعة وأردوغان

ومن المفارقات الجميلة والعجيبة أيضًا أن أكبر معين على إخفاق انقلاب 15 يوليو/تموز العسكري في تركيا هو تدخل السلطة الرابعة، فقد شكلَّت رسالة الرئيس التركي أردوغان عبر تطبيق "فيس تايم" من هاتف مذيعة قناة "سي إن إن تورك"، هند فيرات، عنصرًا حاسمًا في قلب المعادلة وإنقاذ البلاد من الانقلاب رغم أن هذه القناة شديدة المعارضة لأردوغان وللحكومة التركية، وبعد إخفاق محاولة الانقلاب اتخذت الحكومة التركية تدابير صارمة من شأنها الحفاظ على بوصلة السلطة الرابعة وغلق الباب أمام أي محاولات جديدة لأصحاب الأغراض الخبيثة، فكان من ضمن هذه التدابير إغلاق أكثر من 160 منفذًا إعلاميًا، منها ما يربو على 60 صحيفة و30 محطة تلفزيونية و32 محطة راديو، ويمكن وصف هذه الإجراءات بأنها عملية تطهير للفساد الذي ضرب مؤسسات السلطة الرابعة التي كانت على صلة بتنظيم غولن الذي خطط وأدار محاولة الانقلاب الفاشلة.

وعلى صعيد آخر اهتم أردوغان بالصحافة والإعلام اهتمامًا كبيرًا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في نشر الوعي ومحاربة الشائعات والأفكار الهدامة، فدعم العديد من المؤسسات الصحفية والإعلامية مثل مجموعة شبكة قنوات "TRT" الرسمية التي تضم 14 قناة، بجانب بعض القنوات المقربة مثل "A Haber" و "TV Net" وبعض الصحف مثل صحيفة صباح -عدد النسخ المبيعة منها يوميًا 314 ألفًا- وصحف أخرى مثل يني شفق وستار وأكشام، بجانب الدعم المهم لوكالة الأناضول التي تعدّ وكالة الأنباء الرسمية والأوسع انتشارًا حيث تبث وتنشر بـ11 لغة إقليمية ودولية.

 

كلمة أخيرة

إن الإعلام هو أكسجين رئة المجتمع التي يتنفس بها، فمن ملكه ضمن حياة سياسية مؤثرة وطويلة الأمد، والفرق كبير بين الوصول إلى الحكم وممارسته، فالوصول إلى الحكم يكون عبر الانتخابات لكن المحافظة عليه وممارسته الفعلية تحتاجان إلى عناصر السلطة التي تتنوع بين أسس الإعلام والاقتصاد والثقافة والتعليم والعلاقات الدولية، ومن خلال التدقيق في مسيرة حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان يظهر مدى تغيّر موازين القوى الإعلامية السياسية في تركيا على نحو متسارع وشبه كامل، لمصلحة النخبة المحافظة "ثقافيًا ودينيًا وفكريًا سياسيًا" على حساب النخبة العلمانية "التغريبية"، فليس هناك ما يمنع من أن تكون السلطة الرابعة عاملًا مساعدًا للسلطات الثلاث الأخرى ما دامت وسائل الإعلام تعمل وفقًا للموضوعية والمهنية دون تزييف للحقائق وما دام الأمر يصبّ في مصلحة جموع الشعب في نهاية المطاف، التي هي الغاية المنشودة من توزيع السلطات وتحديد مهامها تحديدًا واضحًا.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة