البركة.. وسبب فقدانها في هذا الزمن

واعلم أن الوقت بضاعة طالب العلم، بل بضاعة كل إنسان عاقل (الجزيرة)
واعلم أن الوقت بضاعة طالب العلم، بل بضاعة كل إنسان عاقل (الجزيرة)

 

لا أظن زمانا تصرم على الناس، في تاريخهم العريض الممتد من لدن أبيهم آدم -عليه السلام- إلى آخر مولود من ذريته صرخ في أثناء هذه الكتابة، كانوا فيه أحوج إلى سؤال الله بالبركة في الوقت، من هذا الزمان الذي تتحطم فيه الدقائق والساعات تحطما غريبا، يجعل المرء يأوي إلى فراشه في سواد الليل، فيحاول أن يعقد أصابعه على إنجاز متكامل حصله في بياض نهاره، فلا يكاد يجد شيئا منجزا يذكر.

وإن وجده في يوم، فقده أياما كثيرة متتالية، وأنا أكره الحديث عن النفس؛ ولكنني ما زلت أذكر أنني حينما كنت في آخر المرحلة الثانوية، قرأت كتاب (الأيام) لطه حسين في يومين اثنين فقط، وكانت نسختي تقع في أكثر من 500 صفحة حسبما أظن، بل أدى استغلال الوقت والرغبة العارمة في القراءة، إلى أن قرأت قراءة درس واستفادة، كتابا ضخما يقع في 5 مجلدات، عثرت عليه في مكتبة الأستاذ الوالد -رحمه الله- وأنا في بداية البكالوريوس، وهو كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) لعبد الرحمن الجزيري، وقد أعانتني قراءته على ضرب من العلم بالمذاهب الفقهية الثلاثة الأخرى؛ لأننا في بلادنا ننشأ، بعد كتب الحديث، على الفقه المالكي، فندرسه من (متن ابن عاشر) إلى (موطأ الإمام مالك) رضي الله عنه وعن جميع أئمة الإسلام الأعلام.

 

ونزع البركة من أوقاتنا في هذا العصر الذي يزخر بموج متلاطم من الصوارف والشواغل، يعود إلى بليتين فادحتين:

أولاهما: هذه الآلة العجماء التي لا تسمع ولا تبصر، والتي ندخر أموالنا لنشتري أغلى أنواعها الجديدة في السوق، وهي هذا (الهاتف) الذي فتحنا فيه مدافع كثيرة تدك جدار الوقت دكا دكا، برسائلها، ومنشوراتها، وشجونها التي لا نهاية لها، بل صار أكثر الناس منكوبين بالإدمان عليها، ولا أظن إنسان هذا الزمان يفلح ما لم يكن متصرفا في نفسه وعقله، بالقدرة على الاستغناء عن الهاتف في أي وقت أراد، وبالقدرة على ترتيب الوقت في الرد على الرسائل؛ ويجب على المرسل، وعلى المرسل إليه، أن يعرفا قيمة الوقت، ويقدرا ظروف الناس، فلا تشتت تركيزك بالرد على رسالة تدرك من مأتاها أنها ليست ضرورية، ولا تغضب أيضا، أيها المرسل، إذا تأخر من راسلته عن الرد عليك، فتتهمه بالكبر والصلف؛ لأنك لا تعرف الظروف التي تلقى فيها رسالتك، وقد يكون عاملا مشغولا، أو نائما غافلا، أو واقعا في أسر ما لا يملك معه ردا على رسالة واردة.

والبلية الأخرى، التي تضيع الوقت بلا محصول من فائدة، هي هذه الأخبار التي تجوب العالم في كل ثانية من ثواني الزمن، فإذا لم تكن صحفيا مهنته تقصي الأخبار واستقراء الأنباء؛ لنيل رزقه في الحياة، ولم تكن سياسيا يجب عليه معرفة سير العالم؛ كي يتوقى ويقرر ويحذر، فالخير لك هو أن تهتم بكتبك ودفاترك، ولا تتابع الأخبار إلا في وقت معين لا تتجاوزه، تبدأ فيه بالتعرف على أخبار بلدك قبل جميع البلاد، ثم إذا بقيت منه فسحة تخولك المتابعة لسائر أخبار العالم، فتابعها في تلك الفسحة الباقية، ثم انصرف غير لاو على شيء من حديث النفس بالبقاء والزيادة في البحث.

 

وأنا لا أدعو الناس إلى هجر هواتفهم؛ ليدخلوا كهوفا مظلمة لا يعلم بهم فيها أحد، ولا يعلمون فيها عن أحد، ولا أدعو أحدا إلى عدم بذل قليل من العناية ينجيه من الغفلة عما يجري حوله من أحداث، ولكن الحذر الحذر من الإسراف والتبذير، والحرص الحرص على إمضاء الوقت فيما ينفع ويفيد.

وقد راسلت مرة أحد أصدقائي، فظللت في انتظار رده على رسالتي ساعات طوالا، حتى توجست أنه قد حلت به قارعة من قوارع الدهر، ثم أحسنت الظن برحمة الله بصاحبي، فأتانى الرد -على تطاول الزمن بينه وبين رسالتي- وقال لي معتذرا "قد عاهدت نفسي على ألا أفتح الهاتف من السادسة صباحا إلى الواحدة مساء؛ حتى أتفرغ للقراءة، وأركز فيها، ومنذ التزمت بهذا العهد قاسيا على نفسي، فإنني قد شعرت بالتقدم في كثير من شؤون حياتي"، فقلت له "قد علمت فالزم، واتق شر هذه الزواحف!"

وكلمة (الزواحف) في العربية مفردها (زاحف)، وتطلق على كل نبات يغرز جذوره في الأرض، ثم يطلع زاحفا على سطحها، كما تطلق على كل حيوان يدب زاحفا على بطنه، وإلى هذا الثاني تعود الكلمة أول ما تعود إذا أطلقت في هذه الأيام، ولكن ماذا أجني أنا على هذه العربية الشريفة الشاعرة، إن قلت أيضا: إن مواقع التواصل الاجتماعي من الزواحف؟ بل من الزواحف الضارة المؤذية؟ لا أظنني مذنبا إن زعمت ذلك، ولا أظن العربية ستنقم على أحد أبنائها لأنه كاد أن يصرف بعض كلماتها عن دلالاتها الأصيلة؛ أليست هذه المواقع زاحفة في كل مكان؟ تزحف بين أيدينا ونحن نأكل، ونشرب، ونحدث، ونشاهد مناظر الطبيعة وغير الطبيعة؟ ثم استشرى شرها وبالا مخيفا فاتكا، فصارت تصاحب طالب العلم وهو يقرأ ويكتب ويتأمل، فقطعته عن العزلة وإن اعتزل الناس، وجعلته لا يفهم وإن ادعى الفهم، وسلبته أغلى شيء ينبغي أن يحافظ عليه، وهو تركيز الذهن، ومنعه من الشرود!

وهذا الهاتف الرنان الصاخب، الذي نبذل في أحدث أنواعه أموالنا وأرزاقنا، هو أكبر بلاء نزل بأكثر طلبة العلم في هذا العصر؛ إذ صار لا يكف عن بعث الإشعارات إلى أذنيه، فأضعف التركيز وكاد يصيبه بالشلل، وأضحى العقل دمية راقصة على أصوات الإشعارات التي يجلبها تعليق هنا، وإعجاب هناك، ورسالة وافدة من أحد الأصدقاء عبر المواقع، وقد يكون هذا الشخص المرسل مجهولا عندك كل جهالة، ولكنه يريد منك أن ترد عليه فورا كأنه ولي حميم! هذا أيضا من عجائب عصرنا الذي تتغير فيه الحقائق بلا حساب للظروف والأحوال، ويعدو فيه الناس على الحقوق بلا حجة ولا برهان، إلا برهان أنه قد صار صديقا في القائمة!

وجراء كل إشعار، يهتز التركيز ويتزحزح عن مكانه؛ لأنه إما أن يفتح المرء هاتفه ليدرك حقيقة ما أشعر به، وذلك مبدد للتركيز، وجاعله هشيما تذروه الرياح، وإما أن يتغافل عن الإشعار بمرة واحدة، وهو إن فعل ذلك، فلن يسلم من وسوسة الفضول والتطلع إلى الحقيقة المخبأة تحت الإشعار، وذلك ضار بالتركيز أيضا بلا ريب، فلا يبقى أمامه، إن أراد لعقله تركيزا، إلا إغلاق الهاتف وقليل فاعله!

 

فاتق شر هذه الزواحف، واقطع عنها أسبابك وقت القراءة، ولو شئت أن تكون مثل صاحبنا الذي قصصت عليك أمره، فتضرب لنفسك ساعات كل يوم، لا تفتح فيها هاتفك، ولا تبالي فيها ما دار من الأخبار، ولا ما ورد من الرسائل، ولا ما انقطع من الاتصالات، فافعل ذلك غير آسف ولا متردد، واعلم أن الوقت بضاعة طالب العلم، بل بضاعة كل إنسان عاقل، وأخطر شيء يهدد هذه البضاعة ويرميها بالكساد والفساد، هو هذا الهاتف الذي بين أيدينا.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة