في القاع.. حيث تضع الجائحة أوزارها

من حرب الكمامات إلى التسابق نحو إعلان اللقاح الأمثل والأنجع للفيروس (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)
من حرب الكمامات إلى التسابق نحو إعلان اللقاح الأمثل والأنجع للفيروس (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)

 

أثار فيروس كورونا وتحوّراته المربكة حالة هلع وخوف في العالم، لتتحول حياة البشر معه إلى كابوس أظهر مدى أهمية صحة الفرد على صحّة المجتمع، وقيمة الوعي الجمعي في التصدي لموجات الوباء المتتالية، غير أنّ الآثار الناجمة عن تفشي "كوفيد-19" لم تتوقف على صحة الإنسان فحسب، بل تعدّتها لتشمل السياسية والاقتصاد وحتى الطبيعة البشرية ذاتها، فما سبّبته الجائحة من ألم لم يقتصر على فقدان النّاس أحباءهم والعجز عن التواصل المباشر معهم بل سلطت امتحانها على أنظمة البشر وثقافتهم وهوياتهم، ولولا أن أجراس الوباء تدق صوامع البورصات مؤرقة معها مضاجع الساسة لتناهى إلى البشر قدرتهم على الاستمرار في طغيانهم يعمهون.

قبل عام كان العالم يخوض حربا طبية للتقصي والبحث عن السلالات المتحورة للفيروس المستجد كورونا، ولم تخل التجربة القاسية مع طفرات "كوفيد-19" الموجعة للبشر من التسابق المحموم للحصول على لقاحات تفرض نوعا من الحماية الذاتية والجماعية، وقد نجح العلماء في استخلاص لقاحات عديدة كان آخرها الكوبي "عبد الله" المتوّج بفاعلية تبلغ 92.28% حسب تقارير منظمة الصحة العالمية، بيد أنّ المتحورات الأخيرة للفيروس أربكت العالم لشدتها، معلنة تهاوي منظومات صحية ببلدان كثيرة منها الهند وتونس، معيدة لدى كثيرين أعداد الضحايا الذين تلقفتهم المتحوّرة دلتا في كل من إيطاليا وأميركا، فهل يتجه العالم نحو غلق آخر معلنا إخفاقه في التصدي للوباء؟ أم إنّ التحديات الاقتصادية والتداعيات الاجتماعية تقف أمام إجراءات الاحتراز الأخيرة لمعرفة قدرة البشر على الثبات في وجه الجائحة؟

 

من الكمامات إلى اللقاح.. الجائحة باقية

من حرب الكمامات إلى التسابق نحو إعلان اللقاح الأمثل والأنجع للفيروس، كان العالم على وشك بدء صراع بين الفيلة الكبار للاستحواذ على المنتج العلمي النهائي، أو بالأحرى حيازة ترياق الحياة والحماية من "كوفيد-19″، بل إنّ بعض الدول الغربية تصدّر رؤساؤها دعوات فتح دور الكنائس والصلوات والمعابد للصلاة، ولعل من ذلك ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب وهو يدعو لفتح الكنائس أنّ العالم يحتاج إلى مزيد من الصلوات في مثل هذه الظروف الحرجة، وفي الوقت ذاته أكد ترامب ضرورة إعادة فتح الاقتصاد تحت ضوابط صحية ملزمة.

لقد أدّت سياسات الإغلاق والحجر العام غير المسبوقة إلى تأثيرات سلبية اجتماعية واقتصادية، إذ إنّها رسمت معالم ضيقة للحريات العامة والفردية، إلى جانب تراجع كبير للعائدات الاقتصادية والتجارية بسبب توقف النشاط المالي والتبادلات الصناعية، ولتفرض حدودا مغايرة عن تلك التي اعتاد البشر أن يحيكوا بموجبها سياسات الاستغلال والهيمنة، ومقلمة بها حضارة غربية لم يعد هاجسها دعم الحريات، إلا أنّ الجوائح مع ما تفرضه من نتائج وخيمة على النظام البشري ومكونه الاجتماعي والاقتصادي، فإنّها لم تتوان عن كشف الفجوات والتجاوزات اللاأخلاقية لحضارة مادية، مبرزة عجزها وهوانها أمام هذا السيل الجارف من الفيروسات والكوارث الطبيعية، كيما يراقب الإنسان نشاطاته السلبية المتسببة في انهيار السلسلة الحياتية للأجناس المختلفة، أو يستعدّ لمزيد من الحروب الفتاكة التي لا قبل له بها، مع ما تستدعيه حاجته الاقتصادية من نهب ما يحفظ حضارته واستمراريته.

والغرض من إجراءات الغلق تعطيل "الانتشار المربك" للوباء في وقت تفتقد الأنظمة الصحية لدى أغلب دول العالم أدنى مستويات الرعاية الصحية، ولكن تلك الإجراءات سرعان ما تحولت إلى "سياسات قمعية" تستهدف الحريات العامة والفردية، فخلال عام وأزيد كان الرهان على استخلاص لقاح يمنح الأمل للبشر في العودة إلى حياتهم الطبيعية، بتنوعاتها وتناقضاتها وآلامها وآمالها، كي يكسروا الجدار الذي بنته الجائحة وهي تحرمهم مما أترفوا فيه سنين خلت، ويوم أُعلن اللقاح بمسمياته المختلفة ومنتجيه المتخاصمين وقف البشر على مرأى من مقابر جمعت أحباءهم، يبصرون التسابق اللاأخلاقي للاستحواذ على اللقاح دون مراعاة شعوب لم ترهقها الجائحة فحسب، بل كتب عليها أن تعيش معاناة الاستبداد والحرب والتهجير وهي ترمق مستقبل خلاصها بطرفة عين.

تبدو دعوات الإغلاق إزاء انتشار السلالة دلتا مجردة من قوتها الأخلاقية، إذ إنّ عاما مضى والعالم النيوليبرالي يسير نحو فتح كلي متمسكا بإلزامية التلقيح، في حين في الضفة الجنوبية منه تقبع أطراف الهيمنة الغربية في دوامة العبث والشعبوية، مهددة حياة الملايين من البشر بسياسات استبدادية مقيتة، علّها ترمم الحظيرة التي أطاحت نوافذها وأبوابها صرخات المنتفضين في الميادين والشوارع.

 

مآسي متجددة.. السقوط من الأسفل

هل كان العالم العربي بحاجة إلى جائحة حتى تتداعى دول بأكملها بمنظومتها الصحية؟ أم إنّها مؤامرة تحاك للإبقاء على تركة استعمارية هشّة تضخ ثرواتها نحو الشمال؟ كثير هم من ينتصرون لأحجية المؤامرة وهم يسردون الوقائع والأحداث تباعا، غير أنّ الجانب المغيّب في الدوافع التي تسمح للمروّجين لـ"نظرية" المؤامرة تجعل المتوسّمين في خلاص أمتنا يناصرونها، فالإجراءات التعسفية للإغلاق الكلي المستفيد منها هي الأنظمة الباقية والممتدة من صحراء الخليج إلى مياه المحيط، ولولا يقين البعض أنّ ما تعيشه المنطقة العربية من سقوط حر نحو الهاوية مردّه إلى ساديين مارقين، وأعوان يملكون ثروات أضعافا مضاعفة عن ميزانية دولهم لانتهى إلى أولي الألباب أنّهم من الخيانة يستسقون.

هذا لبنان منذ أن انفجر مرفأه يصّعّد دخانه ليجوب العالم بحثا عن دعم مالي يخرجه من سنوات عجاف، وذاك العراق تنخره الطائفية والرجعية لتهبه فدراليات لا همّ لها إلا أن تضخ الملايين المرصوصة في جيوب المحاصصة، وغير بعيد عن غور أهلكه الاحتلال وأدماه التوريث، تقف مصر على جرف هار يوشك فيه الفرعون أن يهجر مرقده، والسيساوية تسوم شعوبها صنوف العذاب والقتل والتهجير، وهذه بلاد الحراك اصطلاها الفرقاء فتهافتوا على الدولار يطبّعون وهم واهمون، فما تغيّر حال الفقير ولا استُرجع الدينار المهرب ولا نصبت المحاكم للقتلة والمجرمين، لتمسي الانتفاضة عهدا مخوّنا أهلها بين المنافي والسجون، وتلكم فلسطين ما بقي من اتفاقاتها الدولية سوى مستوطنات صهيونية تخرب باحات الأقصى وصوامعه، فمال الزمان يجور على أمة يتكالب عليها الشرق والغرب كيما لا تتنفس حريتها؟

هو القاع إذن حيث لا مناص لشعب منه دون انتفاضة على الوضع المعيشي المتردي والمتأزم، عسى أن يتخلص من سطوة أنظمة همّها الاستمرار في النهب والتخريب، قاع تراكمت به جراحات الماضي مغيّبة معها مستقبلا لطالما انتظره الحالمون يوم استعادوا الميادين، ليروي مأساة المقهورين والمغتربين في أوطانهم أنّى لهم أن يحيوا وكلما خلا قائد لعنته مسوخ متتالية من الزعامات، تتهاوى كحجر الدومينو إلى الدرك الأسفل من التاريخ كلما أوقدت جراح من أسلم روحه للحرية.

حسبنا أن نشاهد كيف تتسوّل حكومات عربية ووزراؤها وحكام ولاياتها يتربعون على ثروات مهدورة في لا شيء، وكفانا حسرة أن نعدّ المشاريع الموزعة على نظم شمولية عسكرية من دون رقيب ولا حسيب. إنّ الشعوب العربية تعيش اغترابا ليس داخل أوطانها التي ورثتها ذات استقلال، بل هو اغتراب أكثر فظاعة وجرما كونها لم تفهم بعد معنى أن يكون الإنسان وطن كل شيء، ما زالت الجائحة مستمرة في طغيانها علّها تكون هزة في وجدان مجتمعات تراكمت عليها أهوال سنوات من التيه والخذلان، فضحاياها لم يتجاوزوا ربع ما قتلته يد المستبد وهو يسوم شعبه الويلات، والذي لم تكفه القنابل والغازات ليجعل محنة طبيعية وسيلة يستعيد بها حدود مملكة الخوف والقهر.

لا تحتاج الشعوب العربية إلى أن تضع الجائحة أوزارها كي تعدد شتات مجتمعاتها وثقافتها وهويتها المفقودة لأنها بكل بساطة امتلكت القدرة على الاندفاع نحو خلاصها، لتشهد تساقط أصنام تداعت الواحدة بعد الأخرى إثر انتفاضة شعبية مباغتة، غير أنّ رغبتها في الانقياد خلف طموحات فردية باهتة لا تختلف عن ترانيم القائد المتواترة، ما عجّل انسياقها نحو مضاجع فُرشت أَسِرَّتُها بقاع سُيّج بآهات المفقودين والمكلومين داخل أقبية حركات متنافسة، إذ الفرق بين الشعوب حينما تستشرف مستقبلها طلبا للحرية والعدالة والكرامة ليس سوى أنّ بعضها جرّدته أنظمة فقاعية من قوة ثورته وفاعلية حلمه نحو الانعتاق.

 

يبكي العالم العربي ضحايا حريق بمستشفى الناصرية وأهلها يرفعون الجثامين يجوبون بها شوارع بغداد، أنّى لهم أن يواروهم الثرى ودماؤهم تسقي مرابض الغضب في نفوس العراقيين؟ ألم يصرخ اللبنانيون كفاحا للوقوف في وجه تهديدات طائفية برعاية غربية؟ ليس بمقدور الأنظمة العربية إدارة قرية حتى يرجى منها مواجهة جوائح طبيعية، فما أنتجت منذ استقلالها غير بيوت الطاعة تروّض فيها من استطاعت إليه سبيلا، فلا اقتصاد نفع يوم تزحزحت أسعار البترول عن عتبة استقرارها وتضخمها، ولا عسكر وقفوا سدا منيعا لحماية ثروات شعوبها المهدورة في خطابات بالية ومضحكة يوم استحوذت عليها السيساوية، فهل تكمل شعوبنا العربية قدرها بانتفاضاتها للقضاء على الجوائح البشرية؟

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة