ليقلع الأفغان شوكهم بأيديهم..

(الجزيرة)
(الجزيرة)

 

نجحت المحادثات بين واشنطن وطالبان في توفير أرضية لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، فكان الانسحاب أسرع مما كان متوقعا، حيث اعتبرت الإدارة الأميركية تحقق أهداف الغزو بضمان طالبان ألا تكون أفغانستان قاعدة لأعداء الولايات المتحدة، وإن كان هذا الهدف ليس هو ما تحدث عنه جورج بوش الابن ودونالد رامسفيلد لتبرير الغزو الأميركي لأفغانستان غداة أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن.

أما الحوار الأفغاني الأفغاني فقد تأخر كثيرا، ولا يوجد مؤشر بإمكانية التوصل إلى اتفاق يؤسس لمرحلة ما بعد خروج القوات الأميركية.

وتتلخص المقاربة بين الطرفين في الخلاف على من يملك الشرعية، فحكومة أشرف غني ترى أنها صاحبة الشرعية وقد وصلت للسلطة عن طريق صناديق الانتخابات، وتعرض على طالبان مشاركتها في الحكومة بمنحها بعض الوزارات. وفي المقابل ترفض طالبان شرعية الحكومة وتتهمها بأن استمرار للغزو الأميركي الذي جاء بها، وترى أن الوقت حان لتستعيد سلطتها الشرعية، وتعرض على الحكومة بأن تقبل الشراكة معها ببعض الوزارات.

وتشعر حكومة غني بالأسى بعد أن تركت مكشوفة في الصراع الذي دأبت على التحذير منه مع دول الجوار، وإن كان بوسائل وأسماء أفغانية، وتخشى أن يتحول الوضع في البلاد إلى ما كان عليه غداة انسحاب الاتحاد السوفياتي (السابق) وهو حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس.

أميركا وإدارة الصراع

يقول مثل شعبي أفغاني: إن الناطور يبلِّغ اللص بأن الطريق مفتوح لسرقة المنزل، ويبلّغ أصحابه بأن يأخذوا حذرهم، وبلغة البشتو "غل ته وايي ورزه، كور والا ته وايي بيدارشه" وإسقاط هذا المثل على المشهد الأفغاني قد يفكك جزءا من عُقد التطورات المتسارعة في هذا البلد والتي أربكت المشهد المحلي والعالمي.

فانسحاب القوات الأميركية يوحي بكشف الغطاء عن الحكومة التي رعتها واشنطن والناتو 20 سنة، وكأنها تقول لطالبان إن الطريق بات ممهدا إلى كابل، وفي الوقت ذاته تؤكد الإدارة الأميركية التزامها بمساعدة الحكومة الأفغانية ودعمها بالسلاح والمال، وتتحدث عن سيناريو مرعب إذا ما تقدمت طالبان باتجاه العاصمة.

ما يعزز تطابق المثل على الواقع غياب تفسير منطقي لسقوط مديرية تلو أخرى بأيدي قوات طالبان، وسيطرتها على معبر تلو آخر مع دول الجوار، مقابل انسحاب القوات الأميركية دون تنسيق مع الحكومة الأفغانية وقواتها، وأبرز مثال على ذلك الانسحاب من قاعدة بغرام شمال كابل، والذي وصفه مسؤولون أفغان بأنه غير مشرف.

ومعروف أن بغرام أكبر قاعدة عسكرية في البلاد، وكانت مركزا لقيادة قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومن قبله قيادة القوات السوفياتية، ومن يصف الانسحاب منها بأنه غير مشرف يعلله بتجاهل بروتوكول الاستلام والتسليم المعهود في مثل هذه الحالات، حيث ينزل علم القوات الراحلة ويرفع مكانه العلم القوات الوريثة، مع أداء التحية لكليهما.

ولتفسير تراجع القوات الأفغانية أمام زحف طالبان، ذهب بعض المراقبين إلى الدخول في نيات الجنود والضباط الأفغان وانهيار معنوياتهم واتهامهم بضعف الولاء لقادتهم السياسيين وعدم قناعتهم بالعقيدة العسكرية التي كلفوا بالقتال في سبيلها.

لكن هذه التفسيرات، رغم عدم استبعادها، تبدو غير منضبطة ويصعب الاعتماد عليها، حيث إنها ليست قوالب محددة يمكن القياس عليها في جميع المديريات التي شهدت انسحابا لقوات الحكومة، لا سيما مع وجود تقارير تحدثت عن استبسال ضباط وجنود للجيش الأفغاني في الدفاع عن مواقعهم وتأمين انسحاب زملائهم.

كما تؤكد معلومات متضافرة انقطاع الإمدادات العسكرية بما فيها الذخيرة عن كثير من القطع العسكرية الأفغانية، بالتزامن مع زحف قوات طالبان على المعسكرات والمديريات ومراكز المديريات المكلفة بحراستها.

تولّت قوات الناتو وعلى رأسها الأميركية تدريب الجيش الأفغاني على مدى السنوات العشرين الماضية، كما أن صلات القيادة الأميركية بالضباط الأفغان بقيت قائمة على جميع المستويات، سواء بعلم قيادتهم السياسية أو دون علمها، وبذلك فإن أثر الفراغ الذي تسبب به انسحاب القادة الأميركيين قد لا يخرج عن احتمالين: الأول أنه أفقد زملاءهم الأفغان التوجيه والمعلومات المعتمدة على التكنولوجيا المتقدمة من صور جوية وغيرها، أو أن توجيهات الضباط الأميركيين لزملائهم الأفغان لم تضع أمامهم سوى الانسحاب، وهذا ما قد يفسر تكرار حديث مسؤولين أفغان عن مؤامرة، وليس بإمكانهم البوح بطبيعتها.

كانت الوصاية الأميركية المباشرة وشن العمليات العسكرية دون تنسيق مع القوات والسلطات الأفغانية أبرز أسباب خلاف الرئيس السابق حامد كرازي مع الإدارة الأميركية، ورغم القول إنه جاء (بطائرة بي 52 "B52") كناية عن الغزو الأميركي فإنه كان يصر على أن الحكم يجب أن يكون أفغانيا، وإدارة البلاد يجب أن تخضع للتقاليد الأفغانية، وتحصد أفغانستان اليوم ما كان يحذر منه كرازي.

سقوط مديرية في أفغانستان يعني في كثير من الأحيان سيطرة الطرف الآخر وهو طالبان في الوضع الحالي على مبنى حاكم المديرية حيث يرفع علم الدولة، وكل ما هو خارج مبنى المديرية يخضع لتعايش تقليدي بين مختلف التوجهات والولاءات، كما أن كثيرا من المناطق خارج دائرة سيطرة أي من أطراف النزاع رسميا، وتحكم بتوافق القبائل والأهالي الذين يقيمون علاقات جيدة مع أطراف الصراع.

معادلة الاستقرار

من مفارقات الواقع الأفغاني حرص دول الجوار مجتمعة على عدم استقرار أفغانستان خلال عقدين من التدخل الأميركي فيها، لأن جميع الدول المجاورة تعتقد أن استقرار القوات الأميركية في أفغانستان تهديد مباشر لها، وهذا ينطبق على إيران وباكستان والصين وروسيا، مع دول وسط آسيا.

لكن مواقف دول الجوار انقلبت بعد خروج القوات الأميركية فأصبحت حريصة على استقرار أفغانستان لأن نار الحرب الأهلية إذا ما استعرت فستطالها لا محالة، وأقلها تدفق اللاجئين عبر الحدود وتكرار الماضي، إضافة إلى أن عدم الاستقرار يبقي هذه الدول في قلق واستنفار حدودي دائم، ويحرمها من الاستثمار في أفغانستان أو تجارة الترانزيت عبر أراضيها إلى الدول المجاورة.

أما مصلحة الولايات المتحدة -التي دأبت على اتهام دول الجوار، بما فيها حلفاؤها التاريخيون مثل باكستان، بزعزعة الاستقرار ودعم المنظمات المناوئة لها وللحكومة الأفغانية، فلم يعد الاستقرار مصلحة أميركية في هذا البلد بعد الانسحاب العسكري، وبدأت التحليلات تتحدث عن توريط الصين وجرها إلى مستنقع أفغانستان، وحرب أهلية تخدم المصالح الأميركية ولا تفيد أحدا في منطقة جنوب آسيا ووسطها.

لقد تدخلت أميركا في أفغانستان وهي قوة عظمى، وتخرج منها وهي ما زالت دولة عظمى، وانضم لمساعدتها في الحرب 46 من جيوش العالم، كثير من هذه الجيوش لا ناقة له ولا جمل في أفغانستان.

لن يعبأ الأميركيون كثيرا بالصفة التي سوف تطلق عليهم بخروجهم من أفغانستان، فلا فرق إن كان انسحابا بعد تحقق أهداف الغزو أو هزيمة أو غدر بالحلفاء المحليين والإقليميين، فكل هذه التسميات لا قيمة له مقابل المصلحة الأميركية، فالمروءة والنخوة والوفاء قيم خارجة عن نطاق المصالح، وليقلع الأفغان شوكهم بأيديهم.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة