الكتابة المعاصرة وفرسانها..

سيد قطب (مواقع التواصل)
سيد قطب (مواقع التواصل)

لم يكن مضى من الليل غير جزء يسير وهم ملتئمون بجلستهم في ذلك الطرف من عاصمتهم الهادئة، متجاذبين أطراف حديث ينساح ما بين الأدبي والثقافي العام، لا يقطع الحديث الحر فيه إلا ما يكون من التعليقات التي تطبع مثل تلك الجلسات وموضوعاتها القائمة على أن يدلي من شاء بتدخّل.. وهو ما يكون له دوره في توجيه مسار الموضوعات والفحوى المثار خلال الجلسات، ولم يكن يشي الأمر بأنهم في ليلة عيد إلا أن المدينة من حولهم تعج طرقاتها، ويبدو مظهر شوارعها العام وقد ألقى عليه الاستعداد للعيد كلْكَلَه، مزامير السيارات صادحة ومحلات تستقبل وتودع مرتاديها القادمين من كل فج وناحية من المدينة..

ذلكم عن الفضاء خارج المكان الذي هم به مجتمعون، وأما حيث هم فقد مضى وقت الجلسة في لاحِبٍ من القوْل وضرْب من الحوار؛ كانوا على منواله مواصلين، هذا يقدم بارقة تستدعي الحياة في بلاطات السلاطين الأقدمين، متحدثا عن ملف الطبيخ وكيف ألف أحد الشعراء -ممن عمل طباخا وشاعرا لدى السلطة في آن واحد- كتابا بهذا الاسم، ثم يمده من جانب آخر من الجلسة أحد الحاضرين ذاكرا بعض من ألفوا في مثل هذا العنوان. وانثالَ حديثهم في وجهة أخرى عندما تطرّقوا للكتابة المعاصرة وفرسانها المجلّين، وقال قائل منهم ما بال كتَبَة اليوم لا يطل من بين جموعهم من يسامت سيد قطب وطه حسين، أين تلك الأقلام التي كان مدادها ينداح خلال القرن الماضي صانعا عناوين ومؤلفات رصعت الإنتاج الفكري العربي الإسلامي، وأغنت تربته كأهم ما يكون الإغناء، وتركت صدى مجلجلا في آذان السنين، أين ذاك العمل الذي حدث على الأرضية الحضارية الفكرية حينا من الدهر من خلال منجزات هؤلاء، ما لنا لا نرى مثيلا له على صعيد مؤلفات كتّابنا اليوم.

وبقدر ما كان انتظار الجواب، بقدر ما أطلت ملحوظة ذات صلة بالباب وافى بها أحد المتحدثين، وكان يعتقد وهو يزجي رؤيته أن أولئك النّفر من عباقرة العرب والإسلام صادفوا فراغا فسدوه وحاجة لدور فأدَّوه، وأما فرصة الزمان من بعدهم فتفتح المجال أمام أدوار المؤسسات والسياسات ربما بأكثر من سياق النجومية الشخصية التي تمتع بها أولئك ومن خلالها كانوا يمثلون المرحلة الثانية من الإنتاج التدويني بعد قرون الحضارة الإسلامية الأولى وحركتها التأليفية النّشِطة.

يتصالح الشاي كعادته مع مجرى الاجتماعات واللقاءات، فلا يَخْرم لها طابعا ولا يقطع لها جوّها وما كانت كؤوس شايهم الشنقيطي استثناء في هذا المنوال وهم يحتسونها، بل تقلَّد الشاي الشنقيطي وشاحا خاصا في هذه المضمار إذ يجري إعداده داخل فضاء الجلسات، وبموازاة مع وتيرة أحاديثها وتصاعد حواراتها، يعلو أُوَار بخار الشاي بين الحضور وتفوح رائحة طهيه وصولا لاكتمال إنضاجه وتهيئته بشكل دأب عليه القوم، وبما يمثل لوحة لا يحجب المرء عن الاطلاع عليها إلا أن يقوم بزيارة لأقرب جماعة يعرفها من الموريتانيين.

تعاقبت كؤوس شاي معتق، ومضت سانحة من الليل، والحديث ما زال يراوح الأدب العربي وجوانب من الثقافة العامة، آبوا من سياق تطرّق للشاعر جحظة البرمكي واستمرؤوا قوله:

كلما قلت قال أحسنت زدني .. وبأحسنت لا يباع الدقيق

وعلى صعيد العصر الحديث، كان أحد الحضور رائعا وهو يفكك صورة تركيبية حول المفّكر الأديب سيد قطب رسمها عنه أحد من تناولوا شخصيته بالتحليل، وكان سيد في ضوء تلك المقاربة مزيجا من قدرات ثلاثة من سادات عصره حيث ظاهر سيد مواهبهم وجعلها كلاًّ واحدا في جلباب شخصيته الفذة.

ومن أبرز ما يطبع الحوارات التلقائية أنها تشبُّ فجأة لتضيء جُزُرًا وفضاءات خلّابة، ثم فجأة أيضا قد ترتفع سُجَفُها عن النهايات دون كبير تهيئة أو سابق إيذان.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة