المنسيّون على الجبهة.. العرب داخل إسرائيل

يمتلك فلسطينيو الداخل العديد من الألقاب، من أشهرها عرب الداخل (الجزيرة)
يمتلك فلسطينيو الداخل العديد من الألقاب، من أشهرها عرب الداخل (الجزيرة)

 

غالبا ما تتجه أنظار العرب عند الحديث عن الفلسطينيين إلى أهل قطاع غزة الأوفياء؛ الذين حافظوا -وما زالوا- على المقاومة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي، أو نحو أبطال المخيمات في الضفة الغربية تذكر تاريخ نضالهم وحاضره، ولكن قلَما تتطرق الأخبار ووسائل الإعلام العربية لسائر الفلسطينيين، مهملين بذلك تاريخ وحاضر فئة فلسطينية تلعب دورا شديد الأهمية في قضية القدس.

 

يتركز وجود الفلسطينيين في فلسطين التاريخية في 4 مناطق:

  • قطاع غزة: وهو القطاع الذي يقع تحت سلطة حركة "حماس"، وسكان غزة هم في الأصل من مختلف الجغرافيا الفلسطينية، قسم منهم هم غزيون أبا عن جد والقسم الآخر هاجر بلده مجبرا تحت تهديد السلاح.
  • الضفة الغربية: وهي المنطقة التي تقع تحت حكم "منظمة التحرير الفلسطينية فتح" برئاسة "محمود عباس أبو مازن".
  • القدس: وهي المدينة الغنية عن التعريف وأغلب سكانها من المهاجرين كذلك.
  • فلسطينيو الداخل: وهم الذين سأسلط عليهم الضوء في هذا المقال، ويمتلك فلسطينيو الداخل العديد من الألقاب، من أشهرها عرب الداخل، عرب 48 وعرب "إسرائيل". وهؤلاء هم العرب الذين رفضوا مغادرة قراهم ومدنهم في عام 1948.

 

أرادت "إسرائيل" عند إبقائها على جزء من الشعب الفلسطيني داخل أسوارها وعلى الأراضي التي احتلتها استغلال هذا الوجود كقوة عاملة وقوة إعلامية، فاليهود ليسوا ذوي جلادة على العمل الشاق مثل العرب، ووجود عرب يعيشون في كنف "إسرائيل" هو سلاح إعلامي مهم في ترسانة هذا الكيان، سلاح استعانت به كثيرا في المحافل الدولية لكي تظهر أمام العالم على أنها دولة ديمقراطية تتقبل الجميع.

نجحت محاولات الكيان باستخدام هذه الوسيلة في خداع بعض العرب في الدول المحيطة بأن العرب داخل "إسرائيل" إسرائيليو الولاء، فهل فعلا خان هؤلاء العرب قضية القدس وفلسطين وركنوا إلى حضن دولة الاحتلال؟

تعريفك بهذه الفئة من الشعب الفلسطيني هو الهدف من هذا المقال، عزيزي القارئ، لقد شهد شهر مايو/أيار الأخير من عام 2021 تصعيدا متجددا في الأحداث في كامل فلسطين، الأمر الذي جعل الكثير من الأسئلة تطرح في ربوع مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا: "من هم عرب الداخل؟".

في حين تناقل العرب من شتى المنابت وسم "أنقذوا حي الشيخ جراح"، وشاهدوا بأعينهم -عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي- جنود الاحتلال يهاجمون المصلين في المسجد الأقصى رمضان الماضي في بث حي ومباشر، لم يعلم أغلبهم أن الأغلبية الساحقة من المدافعين عن الأقصى في تلك اللحظات الصعبة هم من "عرب الداخل" وأن الأكثرية ممن يسافرون بشكل متكرر لنصرة أهالي حي الشيخ جراح هم كذلك؛ "عرب الداخل"، وأن أكثر من يجودون بمالهم في سبيل إنعاش اقتصاد المقدسيين وأهل الضفة الغربية هم من "عرب الداخل".

هذه الفئة المهمة والمهملة من الشعب الفلسطيني، والتي لا تكاد تذكر في وسائل الإعلام العربية، حتى باتوا بسبب ذلك يتأرجحون بين تهمة خيانة القضية وبين عدم الاكتراث، إلا أن الأحداث الأخيرة كانت خير دليل على موقف هذه الفئة من الشعب الفلسطيني تجاه قضية القدس الخالدة.

لماذا إذا يقبل هؤلاء الفلسطينيون العيش بين اليهود وتحت الحكم الإسرائيلي؟ هذا السؤال كثيرا ما يسأل والإجابة عليه واحدة ووحيدة: الأمر مفروض لا مرغوب وليس هنالك من بديل سوى التنازل عن الأرض لليهود والتغرب.

يخطئ من يظن أن الفلسطينيين في الداخل قد أعطوا ولاءهم للحكومة الإسرائيلية بل على العكس تماما، فإن دورهم في نصرة القضية الفلسطينية محوري جدا ولا يغني عنه جهاد غزة الأبية ولا مقاومة الضفة العنيدة، وهذا ببساطة لأن فلسطينيي الداخل يقفون بالضبط على الجبهة ولهم تأثيرهم الكبير في منع إسرائيل من الشعور بالاستقرار سياسيا وديموغرافيا.

 

يهدد فلسطينيو الداخل مثلا تفوق العنصر اليهودي على العربي في فلسطين من حيث المقياس الديموغرافي، فتحت حكم "إسرائيل" هناك قرابة مليوني عربي فلسطيني أغلبهم من المسلمين وهم في ازدياد مستمر، يرون في الأقصى مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم مكانا لا يحق لأحد التنازل عنه، يشدون إليه الرحال ويرابطون فيه بشكل أسبوعي دون كلل أو ملل، وفي إحصاءات إسرائيلية -متكررة- فإن أشهر اسم بين المولودين الجدد في "إسرائيل" من الذكور هو "محمد"، وهي ضربة واضحة للمعنويات اليهودية في الدولة اليهودية.

يمتد رباط فلسطينيي الداخل مع إسرائيل حتى المواجهة الميدانية، رغم أن الغالبية العظمى منهم منزوعة السلاح بأوامر من الجهات الأمنية الإسرائيلية، ففي أكتوبر/تشرين الأول من العام 2000 على سبيل المثال انتفض الداخل أجمع نصرة للقدس الشريف في تزامن مع انتفاض غزة والضفة الغربية والقدس؛ مما أسفر عن ارتقاء 13 شهيدا في تلك المواجهات بين الفلسطينيين العزل والقوات الأمنية، وقد أعادت أحداث مايو/أيار الأخيرة الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948 إلى ميدان المواجهة المباشرة مجددا، وقد جادت بشهيدين وأكثر من ألفي أسير نصرة للقدس والأقصى.

 

خلاصة الحديث عزيزي القارئ أن هناك فئة مهمة جدا من الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية يتم تهميشها تارة ونعتها بالخيانة تارة أخرى؛ فئة تقف على الجبهة في مواجهة إسرائيل بأدوات بسيطة وقلوب عظيمة، فكلما سمعت اسم "عرب الداخل" أو "عرب 48" فاعلم أنها فئة تدافع عنك وعن حقك في القدس الشريف، فلا تبقهم منسيين على الجبهة.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة