الإمام الأشعري والسيادة الشعبية

أحد أئمة الإسلام الكبار، وله مدرسة كلامية وفلسفية كبيرة (الجزيرة)
أحد أئمة الإسلام الكبار، وله مدرسة كلامية وفلسفية كبيرة (الجزيرة)

 

يعتبر الإمام الأشعري (260-324 هـ) أحد أئمة الإسلام الكبار، وله مدرسة كلامية وفلسفية كبيرة، لا تزال تخدم الإسلام حتى اليوم بجهودها وقراءتها الدينية الوسطية.

ويصف ابن كثير رحمه الله (ت: 774 هـ) الإمام الأشعري في كتابه الماتع "طبقات الشافعيين"، بأنه صاحب تصانيف نفيسة، ويترحم ويثني عليه في غير موضع.

وشهادة ابن كثير مهمة ومعتبرة، لأنه ليس أشعريا، بل سلفي حنبلي في الأصول، شافعي في الفروع.

 

ونجد الذهبي في "السير" يصف الأشعري بأنه أخذ الكلام عن الجبائي المعتزلي، قبل أن: "يخالفه وينابذه ويتسنن". فالذهبي يعتبر الأشعري من جملة أهل السنة. وفي ترجمة زكريا بن يحيى الساجي (ت: 307 هـ)، أحد تلامذة الربيع والمزني، أخبرنا الذهبي أن الأشعري أخذ عنه: "مقالة السلف في الصفات". والساجي محدث كبير، عارف بالعلل والجرح والتعديل.

وقد تبرأ الأشعري من تكفير أي فرقة من الفرق في آخر حياته، فيقول الذهبي: "رأيت للأشعري كلمة أعجبتني وهي ثابتة رواها البيهقي..، لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري، قال: اشهدوا علي أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قلت (أي الذهبي): وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا".

وكذلك نقل العز بن عبد السلام عن الإمام الأشعري بُعده عن تكفير أي فرقة من أهل القبلة، باعتبارها اجتهادات عن بذل وعلم، وليست عن جهل وعناد، ومن ثم فأصحابها معذورون.

الإمامة بين النص والاختيار

ويرى الإمام الأشعري في كتابه "اللمع"، أن الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لأبي بكر، عن طريق البيعة والاختيار، فيقول: "وجب القضاء على إمامة أبي بكر بعقدِ من عقدَها له من المسلمين، وبيعةِ من بايعه من المهاجرين والأنصار، وإجماعِ المسلمين عليه في وقته". وهذا نص صريح من الأشعري في البيعة والاختيار، ويكرره في غير موضع من كتبه.

لكنه يناقض نفسه في موضع آخر من "اللمع"، وموضع من "الإبانة"، ويذهب إلى أن القرآن نص على أبي بكر وعمر، فيقول: "وقد نطق القرآن بإمامة الصديق، ودل على إمامة الفاروق.."، ثم استدل بآيات ظنية الدلالة على زعمه.

لكن الأشعري نفسه يصرح في نفس تلك الكتب وفي كتب أخرى له، أنه لا نص على أحد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فيبدو أن كلامه في النص كان مجرد رد فعل شديد في سياق رده على الفرق التي قالت بالنص والعصمة.

ويؤكد مذهبه في البيعة والاختيار ما ينقله عنه ابن فورك (ت: 406 هـ) في كتابه "المجرد": "وإمامته (أبو بكر) ثبتت بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعقد من عقدها له من المسلمين من أهل الحل والعقد، ولم تكن إمامته بنص".

وفي أمر خلافة عثمان يقول: "وإمامته ثبتت باختيار من اختاره لها من أهل الشورى، وبعقدها له"، وفي أمر خلافة علي يقول: "وإمامته ثبتت بالشورى".

وينقل عنه ابن فورك قوله: "ومتى ما زاغ (أي الإمام) عن ذلك (أي عن العمل بالكتاب والسنة)، عدل به إلى غيره، وكانت الأمة عِيارا عليه".

فانظر كيف جعل الأمة، أو أهل الحل والعقد فيها، حَكَما على الإمام نفسه، إن هو اعوج في حكمه، وعدَل عن الشريعة/ القانون والدستور.

وعندما أجاز تولية الإمام/ الخليفة باختيار جماعة من الناس (لم يشترط عددهم باعتبار البيئة القبلية والعصبية، حينئذ)، اشترط أن يرضى المؤمنون بالذي اختير، فيقول كما ينقل عنه ابن فورك: "وإجماع الأمة عليه، وتركهم النكير عليه في تفرده بالاختيار، والعقد له".

وذلك لأن ترك الأمة النكير عليه علامة قبول منهم، أو دليل موقع ونفوذ لهذا الفرد، كأن يكون زعيم قبيلة، أو زعيم رهط، فكلمته نافذة في قومه.

ثم يفترض الأشعري أن جماعة من الناس طعنوا فيمن تم اختياره، فيقول: "وإن ثبت الطعن اختاروا غيره"، والضمير في "اختاروا" عائد إلى الأمة أو أهل الشورى فيها، بداهة.

ثم يفترض في موضع آخر أن الإمامة انعقدت لرجلين، فيقول حينئذ: "يُنظر فإن كان أحدهما لا يصلح، بأن يكون مفضولا، أو ناقصا في شرط من شرائط الإمامة، كانت بيعة من كمُلت فيه شروط الإمامة أولى".

ونلحظ هنا الفعل "يُنظر" أو "نُظر"، وهو أيضا راجع إلى الأمة أو أهل الشورى، فهم الذين يقررون صحة البيعة أو عدم صحتها، وتوفر الشروط أو عدم توفرها.

ويبدو أن هذا هو الذي استقر من مذهب الأشعري بدليل اعتماده من قبل الحجة الغزالي (ت: 505 هـ) في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد"، فينفي النص على أي أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل الأمر بيعة واختيارا وشورى للمسلمين. وكذلك الإمام الرازي (ت: 606 هـ) في كتابه "الأربعين في أصول الدين"، فيقول: "وإمامته (أبو بكر) لم تنعقد إلا بالبيعة". ثم نجد نفس القراءة عند جمهرة من الأشعريين، ولم أقف على متكلم أشعري يقرر غير ذلك المتقرر.

الأشعري وفقه الثورة

كالشائع في نظرية أهل السنة من الأشعرية والماتريدية والحنابلة، يرفض الأشعري الثورة، كي لا تؤدي إلى ضرار أكبر من بقاء الأوضاع على ما هي عليه، فكأنه بهذا يدعو إلى الإصلاح المتدرج، أو أنه يقبلها كدواء أخير، وحل لا بديل له، مع توفر الظروف والشروط، بأن تكون منافعها أكثر من أضرارها.

وفي نفس الوقت، فإن موقفه من الثورات لم يأتنا كاملا في كتبه ومصنفاته، فلم يفرِد لها تصنيفا نعرفه، بيد أن كلامه في كتابه "مقالات الإسلاميين" يدل على تعاطف شديد مع الحسين بن علي، وزيد بن علي، ومحمد النفس الزكية، وغيرهم ممن خرجوا على ظَلَمة بني أمية والعباسيين.

وهو عند الحديث عن محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) يخبرنا بشي مهم، فيقول: "وبويع له في الآفاق"، فهو إذن صاحب البيعة الشرعية، وهو الذي ارتضاه الناس، وقبلته العامة!

لكنه في كتاب الإبانة، يقول بتضليل من رأى الخروج على أئمة الجور، فيقول: "ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم، إذا ظهر منهم ترك الاستقامة". وينكر الخروج بالسيف: "وندين بإنكار الخروج بالسيف، وترك القتال في الفتنة". ولكن لا يمكن أن نتغافل عن التشكيك في نسبة هذا الكتاب له، مع فقدان مخطوطاتٍ كتبها بنفسه أو كتبها بعض تلامذته، أو حتى في عصر قريب منه.

لكنه في مقالات الإسلاميين أكثر تحقيقا للمسألة، فيقول: "واختلف الناس في السيف على أربعة أقاويل..".

وقلنا إن هذا الرأي أكثر تحقيقا، لأن الأشعري يعبّر هنا عن واقع الأمة في زمنه والأزمنة التي قبله، فزيد بن علي خرج على الأمويين، وسانده أبو حنيفة، وامتنع جعفر الصادق عن الخروج بل هو يشنع على زيد خروجه. وخرج محمد النفس الزكية على العباسيين ودعمه أبو حنيفة ومالك، ويشنع عليه فقهاء آخرون، فالمسألة إذن ليست إجماعية ولا اتفاقية، بل هي خلافية عندهم، وكانت تحكمها معايير دقيقة واجتهادات ربما تصيب وربما تخطئ، لكن الاتفاق بينهم أنه لا يجوز الخروج إلا عند أمن الفتنة، وقلة الأضرار المترتبة على الخروج مقارنة بعدمه.

ثم فصّل الأشاعرة كثيرا فيما بعد في المسألة، ولا سيما الباقلاني والجويني والحجة الغزالي والرازي، ولعلنا نقف مع تلك المدرسة وقفة في مقالات قادمة، إن شاء الله.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة