عرفة.. معرفة وعرفان وجد ووجدان

الوقفة أول منازل القصد، فالوقوف تدبر وتأمل فيما فات (الأوروبية)
الوقفة أول منازل القصد، فالوقوف تدبر وتأمل فيما فات (الأوروبية)

 

عرفة تلك المساحة السماوية على الأرض، الساعات القدسية التي تفصلنا عن دورة الزمان، تلك المساحة التي تضم لب الحج وغاية القصد ومنتهى المطامح، فالحج عرفة؛ لكأن المقصد المعرفة، وكأن العرفان غاية، ولا عجب، فالمعرفة ليست العلم، بل المعرفة بالضرورة تقتضي موقفا متسقا معها، فالجذر عرف يتضمن العلو والارتفاع والطيب، فالقصد يبلغ منتهاه بيوم عرفة، يعقبها الازدلاف -الاقتراب- في مزدلفة، ثم تحقق الأماني -بمغالبة الشيطان الخصم القديم- في منى، وفي كل ذلك تولية الوجه نحو البيت توحيدا ووحدة، ومركزية للخالق في حياة المخلوق، واستعادة للأيام الأولى للإنسانية على الكرة الأرضية.

 

والقصد لا يكون إلا بأمن الطريق المتحقق في باطنه بالإيمان والأمانة، والزاد وخير الزاد التقوى، والراحلة ولا راحلة إلا الاتباع، ولا طاقة للاتباع إلا بالمحبة، فشرط محبة الخالق اتباع خير خلقه -صلى الله عليه وآله وسلم- والمحبة سر يوقد الإنسان المحبوب، ويأسره ويسير به، ولا تحقق للقصد إلا باجتناب الرفث والفسوق والجدال فيه، وإلا بطل القصد وتعطلت الراحلة، وقل الإيمان فزال الأمن..

فإذا تهذب المحل وصحت نية الوفاء بالشرط، أصبح المحل أهلا للمعرفة، فنزل حامله بساحة عرفة، فوقف هناك، والوقفة أول منازل القصد، فالوقوف تدبر وتأمل فيما فات، واستعتاب من الزلات، ووقوف الحاج فرعه صوم المقيم مكانه، فالصوم امتناع، والامتناع فرع الوقوف، ويحقق مقصده وغايته.

 

مع الوقوف وتحقق المقصود منه، يتلو ذلك التعرف، وإذا كانت الآثار حول لقاء آدم بحواء -عليهما السلام- غير منطقية، فعلينا التأمل في معنى الارتباط بالأبوين الكريمين، فكأن وقوفنا بعرفة وقوف على معالم قصتهما وبدء تاريخ الخلق وحركته في الأرض، وبداية الصراع مع الخصم اللدود، وحنين إلى الأصل القديم، وكل أصيل يحن إلى مكان أصله، ويتذكر معاهد وصله، ومنازل أنسه، خاصة وقد سمع الأخبار عنها، وتشوق إليها، وإن لم يكن قد وطأها، فيتجدد فيه الأمل، عند ورود موطن الأبوين الأول في أن يعود من حيث أتيا، ليبدأ دورة حياة جديدة بعد أوبته لوطنه السفلي هنا.

ثم يتذكر مليا صلة السماء بالأرض في حكاية الخليل عليه السلام، الذي اختار التوحيد ودفع ثمن معرفته بربه غربة عن أهله ووطنه، واستعدادا تاما لإخلاء قلبه من محبة ما عدا الرحمن، فكان مستعدا لذبح ابنه إسماعيل -عليه السلام- الذي أجاب ولبى وكان حليما عليما صبورا، فحق للخليل -عليه السلام- أن تتجدد به المناسك وتتصل، لتكتمل بالحبيب -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي وقف هنا وخطب، ثم خطب مجددا يوم النحر.

 

والخطبتان مدارهما تأكيد على رسالة آدم -عليه السلام- لبنيه، في قصد كل مسجد لتوحيد الله، والاستمتاع بالملذات من دون إسراف، والبعد عن الشرك والظلم والفحشاء والقول على الله بغير علم، ثم جددها -صلى الله عليه وسلم- بأمر الله له بأن ينبه الناس على القسط والانضباط على المنهج ووحدانية الخالق تعالى، ودونكم سورة الأعراف وختام قصة آدم -عليه السلام- بتلك النداءات الأولى، والنداءات الخاتمة مع الحبيب -صلى الله عليه وسلم- والتي أجلاها تماما في عرفة داعيا للتوحيد ونابذا الشرك، وحرمة الدماء والأموال والأعراض والنهي عن التكفير وسفك الدماء بسببه، ثم ذكّر بالنساء وحقوقهن، وذكّر بوحدة الإنسانية في أصلها ووجوب تصحيح قصدها نحو الله تعالى الواحد، وبهذه المعاني يكتمل التعارف بالخلق، ففي تلك الساحة يلتقي الجمع، فيتعارفون، فيعرفون بعضهم، ويعرفون أنفسهم، فينتهي المطاف بمعرفتهم لربهم..

فمن عرف نفسه بالنقص عرف ربه بالكمال، ومن تدبر أكثر عرف أكثر.

أليس الحج عرفة؟

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة