مات العم أحمد..

سوق في موريتانيا (الجزيرة)
سوق في موريتانيا (الجزيرة)

 

تململ في فراشه الخشن قليلا، أحس بوخزات حادة تخترق جسمه، كان السرير الخشبي قد تمرد فأخرج أعوادا صغيرة حادة ليدافع بها، فمنذ 10 سنين تحمّل جلوس الآلاف من الأشخاص، ونام عليه المئات، لم يهتم أحد لحالته التي كانت تسوء يوما بعد يوم، لم يعد سريرا صالحا للنوم، بل كان أشبه بكومة خشب موضوعة على 4 قوائم تكابد الزمن جاهدة للوقوف بشكل شبه مستقيم.

كان صوت مؤذن المسجد -الذي يبعد 10 أميال- يصل إلى أذنيه وهو ينادي "الصلاة خير من النوم".

استيقظ، رتب حاله وأسبغ وضوءه، وأحكم إغلاق باب كوخه، ومشى بتوؤدة وهو يلبى نداء ربه، كان الوقت فجرا، الطريق خالٍ تقريبا إلا من بعض المتوجهين إلى المسجد، بالكاد ترى أضواء في المدينة التي لا تزال تغط في نومها العميق، لا صوت يعلو أصوات الديكة وهي تؤدي طقسها اليومي لتساهم بدورها في بداية يوم جديد يخبئ في طياته الكثير.

سنتيمترات قليلة تفصل قدمه اليمنى عن ولوج المسجد، أدى التحية، وما إن فرغ حتى أقيمت الصلاة، صلى الصبح في الجماعة وألقى بعض التحيات الخفيفة على المصلين وابتسامته المعهودة على محياه.

 

عاد أدراجه متجها نحو مخبز "التيسير" الذي يقبع خلف الحي مباشرة، في طريقه كانت أنامله تتحسس مسبحته الطويلة وهو يؤدي ورده اليومي.

كان رئيسه في انتظاره، جهز له طاولة الخبز الخاصة به ووضعها على رأسه، وشق طريقه نحو السوق بصمت، كانت أقدامه تعرف الطريق جيدا، بإمكانه أن يسير مغمض العينين حتى يصل إلى مكانه المعهود منذ 10 سنين.

وضع طاولة أحلامه على الحافة اليمنى للطريق تحت الشجرة بجوار "بائعة النعناع" الأخت خديجة وجلس على كرسيه الحديدي القديم، كان ظهره قد احدودب قليلا وذقنه قد طال عن اللزوم، لم يعر ملامحه تلك التي بدأت تتغير شيئا.

 

منذ يومين قالت له خديجة:

  • ألا تلاحظ أنك أصبحت عجوزا، وآن لك أن تستريح، وأخفت ابتسامة ارتسمت على وجهها.
    كانت تمزح معه، فقد اعتادت على ذلك.

أجابها وهو يتحسس قسمات وجهه الذابلة ويمرر أصابعه على كل منها كأنه يفحصها: ذات يوم كنت شابا جميلا، إنه الزمن يا خديجة، المهم أن قلبي ما زال شابا.

بالفعل كان قلبه شابا.

كانت الشمس تسارع دقات قلبه وهي تحاول البزوغ للوجود، وما إن طلعت الشمس حتى بدأت الحركة تدب في كل شيء.

كان قد دأب ومنذ 10 سنوات على أن يقدم بعض الخبز مجانا وعلى حسابه الشخصي لأول وافديْن بغية شراء خبزه، وهو ما فعله اليوم.

أصبحت الحركة الآن طبيعية كما المعهود، شرعت المحلات تفتح أبوابها، وسيارات الأجرة تراوح المجيء والذهاب، والباعة المتجولون يكشفون عن بضاعتهم لكل المارة، والمتسولون يزاولون عملهم الروتيني، كل شيء طبيعي.

 

كنت أسير بسرعة نحو عملي، مؤشر سرعة السيارة يقترب من 70، لا أحب أن آتي متأخرا اليوم فلدي أعمال كثيرة، توقفت عند إشارة المرور الحمراء أنتظر الخضراء لأمر، لم أتناول فطوري الصباحي اليوم مخافة أن أضيع المزيد من الوقت، كانت أمعائي حينها بحاجة إلى شيء، أشرت إلى ذلك العجوز (بائع الخبز) لأشتري بعضه.

وفجأة كان يمشي مسرعا باتجاهي، لم يكن يبالي بالسيارات المارة، خفت عليه، ولحسن الحظ توقف ليترك الشاحنة الكبيرة تمر، ناديت عليه.

– تمهل يا أبي، كن حذرا.

ربما لم يسمعني جيدا، فواصل سيره مسرعا نحوي، وأنا أخرج النقود من جيبي لئلا أضيع المزيد من الوقت، كان صوت مكابح إحدى السيارات التي كانت تمر مسرعة قد أحدث شيئا، وأنا مطأطأ الرأس في جيبي لأخرج النقود.

وفجأة أخرجت رأسي، حاولت تكذيب عيني وأنا أرى العجوز ملطخا بالدماء، والناس يهرولون نحوه، خرجت مسرعا لأرى ما الذي حصل.

– لقد مات العم أحمد

 

هكذا قالت خديجة وهي تجهش بالبكاء.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة