حج القلوب.. وحج الأبدان

الحج المطلوب هو حج القلوب وليس حج الأبدان (رويترز)
الحج المطلوب هو حج القلوب وليس حج الأبدان (رويترز)

 

الناس في الحج صنفان، صنف يذهب للحج بقلبه وكله شوق للبيت الحرام، وصنف يذهب بجسده يتنقل بين المناسك ولا يستشعر عظمة النسك التي يؤديها، والخليل إبراهيم -عليه السلام- عندما دعا الله عز وجل سأله أن يجعل قاصدي البيت من أصحاب الشوق إليه.

يقول الله عز وجل على لسان الخليل "ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" سورة إبراهيم: 37.

وورد في تفسير الطبري في قوله "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم" يخبر بذلك تعالى ذكره عن خليله إبراهيم أنه سأله في دعائه أن يجعل قلوب بعض خلقه تنزع إلى مساكن ذريته الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم، وذلك منه دعاء لهم بأن يرزقهم حج بيته الحرام.

وعن الحكم قال: سألت عكرمة عن هذه الآية "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم"، فقال: قلوبهم تهوي إلى البيت.

وفي تفسير ابن عاشور "والمراد فاجعل أناسا يهوون إليهم، فأقحم لفظ الأفئدة لإرادة أن يكون مسير الناس إليهم عن شوق ومحبة حتى كأن المسرع هو الفؤاد لا الجسد، والمعنى: فاجعل أناسا يقصدونهم بحبات قلوبهم".

والقلب هو محط نظر الرحمن، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" صحيح مسلم: 4651.

ومن دعاء الخليل عليه السلام "ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم" سورة الشعراء: 87-89.

والهدف من أعمال الحج المختلفة هو تعظيم شعائر الله عز وجل وهذا التعظيم دليل على التقوى، يقول تعالى "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" سورة الحج: 32. وفي التحرير والتنوير "إضافة (تقوى) إلى (القلوب)، لأن تعظيم الشعائر اعتقاد قلبي ينشأ عنه العمل".

 

والحج المطلوب هو حج القلوب وليس حج الأبدان، والتقوى محلها القلب، يقول الله عز وجل "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين" سورة الحج: 37.

وانشغال البعض بالأمور الدنيوية في موسم الحج يتنافى مع الغاية والمقصد الأسمى للحج، وهو الإقبال على الله -عز وجل- بالكلية، والتعرض لرحماته في الأيام الفاضلة والأماكن المقدسة.

والحج يتطلب من المسلم التجرد الخالص لله عز وجل، وأداء النسك بنية خالصة وقلب حاضر، والاعتبار من المشاعر المقدسة، وتعلم الدروس من تضحيات الرسل -عليهم السلام- وانقيادهم واستسلامهم لأمر الله عز وجل.

 

وللحج المبرور شروط، منها: أن يخلص الحاج نيته لله تعالى، يقول الله عز وجل "وأتموا الحج والعمرة لله" سورة البقرة: 196.

 

الشرط الثاني: أن تكون أعمال الحج موافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أيها الناس خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا" صحيح الجامع: 7882.

 

الشرط الثالث: أن تكون نفقة الحج من الحلال الطيب، يقول الله عز وجل "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، واعلموا أن الله غني حميد" سورة البقرة: 267.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم" سورة المؤمنون: 51.

وقال "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم" سورة البقرة: 172، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟" صحيح مسلم: 1015.

 

الشرط الرابع: الابتعاد عن الرفث والفسوق والجدال في الحج، وكلها أمور منهي عنها، يقول الله عز وجل "الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب" سورة البقرة: 197.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" صحيح البخاري: 1521.

 

الشرط الخامس: الابتعاد عن إيذاء الناس بالقول أو الفعل، فإيذاء الناس في الحج وغيره من أعظم الذنوب، يقول الله عز وجل "والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا" سورة الأحزاب: 58.

وحج القلوب تجد صاحبه مشغولا بالذكر، وتجد عنده جملة من الصفات الحميدة كالتعاون والرحمة والشفقة على الخلق، وتجد أروع صور البر في الحج كالذي يحمل أمه في الطواف أو يسعى في خدمتها والتيسير عليها، وتجده كذلك مشغولا بمساعدة الضَعَفة، وهذا الصنف يجد سعادته في قضاء حاجات الناس والتلطف معهم، وهذه كلها من المقاصد والغايات الكبرى للحج التي ينبغي الحرص عليها.

أما حج الأبدان فتجد صاحبه مشغولا بالأمور الدنيوية والبحث عن المتع والملذات والميل إلى الدعة والخمول وتضييع الأوقات، والأسوأ من حج الأبدان هو الذهاب للحج بمال غير طيب، وإيذاء الناس في الحج، وفي ذلك يقول الشاعر:

إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير

لا يقبل الله إلا كل طيبــــة ما كل من حـج بيت الله مبرور

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة