بورتسودان.. رسالة في بريد القتلة

تجمع مواطنين أمام نادي الأمل الرياضي في بورتسودان بعد الانفجار (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

من ضحاياكم طوال 3 سنوات من الفتن التي تثيرونها، إليكم، عبر حاج صالح همد ومحمد ميرغني حاكم وحسن ككراب ومحمد علي حجر وأسرار آدم.. اخترناهم لأننا نعرف أنكم أردتم أمرا مبيتا.. لكننا اخترناهم لنفوت عليكم هذه الفرصة أيضا..

 

إليكم.. في سواد قلوبكم، وعتمة ضميركم، أو ربما في الزاوية الرمادية بين صوت الفطرة الإنسانية والدينية وبين حاجة مادية أو ضغط قهري، حدا بأحد رفاقكم لمحاولة الانتحار لكن استطاع أحبتنا الإمساك به، لأن الواقفين تحت الشمس المغسولين بالماء والملح النقي، وعرق الكفاح والجهد والتعب، لا يسمحون أبدا لأمثالكم بقتل الفرح.

باسمهم نكتب إليكم أيها الأشقياء، يا من لا تعرفون جيرتيق جداتنا وضريرة أمهاتنا، وسيطان البلاويد وسيوف البجاويد، وحكايات أجدادنا وقهوتنا التي شربناها معا بلاويد وبجاويد ونوبا وجنوبيين، وإغريق وأقباط وسوريين ومصريين ويمانيين..

لا تستغربوا أن نقول بلاويد أي أولاد البلد: التناقسة والدناقلة والشايقية والجعليين وأبناء الجزيرة، والبجاويد: هدندوة وبني عامر وأمرأر وبشاريين وأورتيقا، لا تستغربوا أن نقولها بلاويد وبجاويد بلغتكم لأنها غدت لغتنا.. منذ جاء أجدادنا من كل موضع في السودان، واستقروا هنا، وعرقوا وتعبوا في شركات إيفانز وجلادي هانكي (جريتلي واسأل أباك إن كان سودانيا أصلا عنها) ثم الجزيرة بورد.. اسأل عن بازرعة وكونتوميخلوص وخواجة.. لست منهم وليسو منكم..

 

أنتم لم تفهموا، ولن تفهموا قصة التنوع، لكأنكم لم تنشأوا في حي به إمام المسجد يهدي أول نصيب من ذبيحة عيد الأضحى لجاره القبطي، في حي يشتري الحليب الصافي يوميا من الهدندوي، ويأتمنه، لن تفهموا معنى أن يكتب حسين بازرعة الحضرمي الأصول أجمل القصائد في بورتسودان، لتغنيها أعذب الحناجر في السودان، لن تفهموا كيف يمكن لسيدة مصرية أرملة، أن تعيش بعيدا عن أهلها زمنا طويلا بلا عدد، في جوار وحماية جيرانها السودانيين، ولا يجدون أفضل منها للتفصيل النسائي الأنيق، لن تفهموا كيف لعجوز يمنية أن تبقى لأكثر من 30 عاما، ثم ترتحل لترى أختها في مسقط رأسها، لتموت بعد أقل من عام، لأنها لم تطق بعدا عن بورتسودان..

 

إن ما تحتاجون فهمه جيدا أنكم أيد سرعان ما ستقطع، قد تستغربون كلامنا هذا، لكن لكل عميل نهاية، كالمنديل الذي تمسح به أي قاذورات، سيلقى لاحقا، لأن الذي يرتضي لنفسه الدناءة، لا يرضى به أحد..

ستتحدثون عن التهميش؟ هل منع ابن من أبناء الشرق بغض النظر عن عرقه أو قبيلته أو لغته من التوظيف أو العمل في التجارة؟

لكنكم تلوكون الشعار، وتنوون الدمار، ولن تحصدوا سواه، ماذا لديكم؟ قولوا لنا، هل لديكم حل لأهلكم الذين تدعون زورا الانتماء لهم؟ هل لديكم برنامج واحد لتحديث الميناء القديم؟ هل لديكم جهد لمحو الأمية؟ أو تحسين التغذية بين أبناء الشرق؟

لا تصدقون أن البلاويد يحملون همكم، لكن أهلكم بغض النظر عن أعراقهم يعرفون أنهم والبلاويد إخوة ورفقاء درب وطريق..

من سيجبر خاطر أمهات وآباء وإخوة وأزواج وأبناء وبنات، من سيجبر روعة المغتربين في موئل النوارس، ومن سيطيب خاطر كل هؤلاء.

 

أيها القتلة في زاويتكم النتنة، لا تستحقون المشي تحت الشمس مثلنا، لن تستطيعوا السير مرفوعي الرأس في الدنيا، ونحن بانتظاركم في الآخرة.. هناك محكمة عادلة، لا تحتاج تحريات ولا تحقيقات، تدين بحق، ببراهين قاطعة، ستنطق أيديكم وأرجلكم وضمائركم وأعينكم.. وحينها لا مفر.

سنستعير من الجواهري قوله.. ونختم:

أتعلم أم أنت لا تعلم

بأن جراح الضحايا فم..