لبنان نحو الجمهورية الثالثة..

اللبنانيون يواصلون الاحتجادات ضد تردي الأوضاع الاقتصادية (وكالة الأناضول)
اللبنانيون يواصلون الاحتجادات ضد تردي الأوضاع الاقتصادية (وكالة الأناضول)

 

لبنان ذاك الوطن الذي يعاني اليوم من تفسخٍ في نسيجه الاجتماعي بعد مروره بصداماتٍ سياسية أدت إلى حروبٍ أهلية وتجاذباتٍ في اللعبة السياسية، وبقيت تلك التشنجات حاضرة وبقوة حتى مكنّت السلطة السياسية القائمة  من البقاء في الحكم حتى يومنا هذا، وحوّلت لبنان إلى مزرعة خاصة بهم يتصرفون كيفما يشاؤون حتى وصل الحال إلى تطبيق القول "اعطهم يا غلام" طبعًا كل ذلك هو تعزيز لفلسفة النيو ليبرالية التي تحقق مصالح الأفراد، ولا تحقق مصالح الجماعات، كل تلك الإرهاصات والتخبط الإداري وإفلاس المالية العامة أدت -بعد تراكماتٍ تخللها بعض الفترات من الهدر نوعًا ما- إلى انفجار ضخم، وهو حدثٌ جلل في تاريخ لبنان المعاصر: ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول.

جاء هذا الغضب نتيجة تاريخٍ من الاحتقان السياسي الذي كان انعكاسه على الواقع الاجتماعي والاقتصادي. انفجر غضب الناس ونزلت إلى الشوارع، طبعًا هناك من يقول "إنها ثورةٌ مسيّرة" وهناك من يقول "إنها ثورةٌ مُخيرة"، ولكن الحقيقة تقول إن للشعوب ضميرًا، وحالة وجدانٍ تستيقظ في حالةٍ معينة من الزمن، وتغضب عندما لا تتحقق مصالحها. ورغم التبعية الحاصلة والمترسخة في الحالة اللبنانية، فهي تبعية ظاهرها طائفي وباطنها سياسي ونفعي خاص.

ما حدث في 2005 أو 1975 أو 2019 ليس إلا نتيجة حتمية كون لبنان عالقًا فيما يُعرف بالجمهورية الثانية مصطحبًا معه دستورٌ عفن؛ تم كتابته في ظروفٍ سياسية واجتماعية مختلفة عن الواقع في كافة المجالات، وكما نعلم أن الدستور الحالي ومع تعديلاته التي لم ترتقِ لتحاكي الواقع المتغير بشكلٍ مستمر وسريع، فهو دستور فرنسي في جمهوريتها الثالثة. وحتى الآن لم يخرج أحد بفكرة أو نظرية -على الأقل- لا تقف عند حدود تشخيص الواقع، وتعطي حلولا جذرية تقوم بإصلاحٍ بنيوي للدولة المهترئة منذ نشأتها؛ فكل من يدعي الإصلاح وإعداد البرامج الإصلاحية هو كمن يعطي مادة المورفين لجسدٍ أكله السرطان يفصله سويعاتٍ قليلة عن الموت الأبدي. فلبنان يجب أن ينتقل من الجمهورية الثانية إلى الجمهورية الثالثة، فالإصلاح لا ينفع إطلاقًا، إذ يحتاج لبنان إلى تغييرٍ شامل يبدأ بـ4 نقاط أساسية: تغيير الدستور، وتغيير نظامه السياسي، وتطبيق الديمقراطية الحقيقية، وحل قضية السلاح.

تغيير الدستور

عندما سقطت الدولة العثمانية، وعُقد مؤتمر سان ريمون الذي كرّس الاستعمار الغربي ولكن بوجهٍ لطيف سُمي آنذاك بالانتداب، كان لبنان من ضمن حصة فرنسا، وكانت فرنسا عندما تولت إدارة لبنان في زمن جمهوريتها الثالثة، وهذه الجمهورية عكست بطبيعة الحال روحها على الدستور اللبناني الذي تم إقراره سنة 1926، فإن الدستور هو القانون الأعلى للبلاد وهو ما يحدد شكل الدولة في كل خصائصها البنيوية والسياسية والاقتصادية وشكل نظامها السياسي، ولكن هذا الدستور تم وضعه في ظروفٍ غير الظروف التي نعيشها اليوم.

حين وضع الدستور، لم يكن التشنج الطائفي القائم اليوم بشكله المتوحش -الذي خرّب كل من العراق وسوريا ولبنان بنسبٍ متفاوتة- ولكن علينا أن نتنبه لأمرٍ خطير وهو أن الفرنسي حرص على أن يكون التشنج الطائفي ملاصقا للحياة السياسية في كل المنطقة، ولذلك فإن الدستور الذي وضعته فرنسا والذي مكّن المارونية السياسية التي كانت الأب الروحي له في حقبة الدولة العثمانية وُلد عاقًا وولّد معه آفاتٍ سياسية لا متناهية، هذا من جهة.

أما من جهة أخرى، فلقد أصبح هذا الدستور غير مناسب اجتماعيا بسبب التطور الديمغرافي والاجتماع السياسي في لبنان خصوصًا، والمنطقة عمومًا، حيث لم يعد يتناسب مع متغيرات طرأت على جسد الدولة، إضافةً إلى ميثاقية بشارة الخوري ورياض الصلح، وهي ميثاقية عفنة ألغت مبدأ المدنية وحلت محله الطائفية السياسية؛ حينها أصبح لبنان جمهورية طوائفية. كما أنه يجب أن يكون ضمن هذا الدستور الجديد قانون انتخابي عصري خارج عن القيد الطائفي، وهذا القانون كفيل بإنتاج سلطة سياسية جديدة قادرة على تشريع القوانين التي تفيد مصلحة الوطن بعيدة عن المصالح الشخصية.

تغيير النظام السياسي

إذا عدنا سنواتٍ إلى الوراء وهو تاريخٌ ليس ببعيد، نجد لبنان قد وقع في فراغاتٍ سياسية في موقعين أساسين في الدولة: الرئاسة الأولى والثالثة، وهما رأس السلطة التنفيذية والإجرائية في الدول الديمقراطية عادةً، وهذا الفراغ أدى إلى تشنج سياسي رهيب كان حصاده ثورة 17 أكتوبر/تشرين الأول، وهذا الفراغ سببه طبيعة النظام السياسي الذي يعطّل كل تشكيل وكل تأليف وكل انتخاب لرئيس الجمهورية.

لقد كان سابقًا النظام السياسي أشبه بالنظام الرئاسي، ولكنه ليس كذلك وهو الأصح وهناك الكثير من الأمثلة، مثل الولايات المتحدة الأميركية وتركيا، فهذا النظام يحقق الاستقرار، حيث الرئيس هناك لديه صلاحيات واسعة وهو منتخب من الشعب مباشرةً وليس من النواب، ولكن طبعًا قبل تكريس النظام الرئاسي أو النظام شبه الرئاسي، مثل مصر وفرنسا، لا بد أن يسبقه تغيير في الدستور الذي يحرص على إلغاء الطائفية السياسية في كل وظائف الدولة ابتداء من رئيس الجمهورية إلى أصغر موظف في أي دائرة حكومية، هذا التغيير في شكل النظام السياسي يكون قد ألغى أي فرصةٍ في الفراغات الرئاسية الأولى والثالثة، وخرجنا من منطق الطائفية السياسية إلى معيار الشخص وكفاءته في إدارة الدولة في كافة الميادين.

تطبيق الديمقراطية الحقيقية

في مقدمة الدستور اللبناني، عبارةٌ مفادها أن لبنان دولةٌ ديمقراطية برلمانية، صحيح أنه ديمقراطي ولكن هذه الديمقراطية غير مطبقة فعليًا في الحياة السياسية، بالطبع لبنان بلد يختلف عن محيطه العربي بشكلٍ كبير، فهنا يوجد نوعًا من حرية الإعلام والتعبير والانتخابات، ولكن هذا لا يكفي؛ فإن النظام الطائفي والبرلماني يكرّس الطائفية السياسية بشكلٍ مقنن.

فلكل طائفة عددٌ معين من النواب الذين يمثلون طائفتهم، فالمسيحيون لهم نصف مجلس النواب أي 64 والمسلمون لهم 64، وثم ينقسم البيت الديني الواحد إلى طوائف، فلكل طائفة عدد معين من النواب ممثلين في مجلس النواب؛ وهذا مخالف لمبدأ الديمقراطية، فإن تغيير الدستور لا بد أن يتضمن مسألة الديمقراطية بشكلها والتمثيل الصحيح وليس التمثيل الطائفي أو ديني إنما التمثيل الشعبي القائم على المشروع والخطاب السياسي بالإضافة للشخصية القيادية، فهنا تصبح الديمقراطية منتجة للعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة والقضاء العادل والمستقل ومحاربة البيروقراطية السائدة في مؤسسات الدولة، وهكذا نكون قد ضربنا العدو الأول للجمهورية وهو الطائفية السياسية.

حل قضية السلاح

لا شك أن أصعب عقبةٍ في مسار الجمهورية الثالثة هو قضية السلاح، وكيفية التعامل معه ومدى تعقيد هذه القضية، التي لها ارتداداتها الداخلية والخارجية، ولكن لا بد من طرحها ولا بد من إيجاد حلولٍ لها رغم حساسية الموضوع. للأسف لقد أصبح السلاح أداة داخلية لفرض سياسية معينة، عندما تتعثر الديمقراطية في تحقيق مطالب صاحب السلاح.

فالسلاح لم يقتصر كما يدعي صاحبه أنه وسيلة وليس غاية لتحرير ما تبقى من الجنوب اللبناني، إنما أصبح غايةٍ ووسيلةٍ لفرض سياسة أمر الواقع، ففي سنة 2009 بعد أن ربحت قوى 14 مارس/آذار في الانتخابات النيابية فرض السلاح مبدأ الديمقراطية التوافقية التي عطلت وشلّت البلاد كلها وألغت مبدأ المعارضة والموالاة. كما أن 7 مايو/أيار كانت كفيلة في كشف خطورة السلاح في اللعبة السياسية اللبنانية الداخلية، كما أنه في سنة 2006 فُرض على المجتمع اللبناني والدولة اللبنانية أيضًا حرب دون الرجوع إليها أو استشارتها حتى، وصولاً إلى الثورة في سوريا.

فإن الثورة السورية أدت أيضًا إلى كشف غاية السلاح حيث انغمس سلاح مقاومة إسرائيل في قتل أهل سوريا من دون التفريق بين مدني أو ثوري أو معارض للنظام السوري، عداك أن هذا السلاح ونشاطه الخارجي أدى إلى تحويل لبنان إلى جزيرة معزولة عن العالم بعد أن استهدف هذا السلاح كل الدول الشقيقة للبنان وعلى رأسهم الخليج. كل هذه الأسباب كافية كي يكون هذا السلاح عقبة في تطور الدولة من الجمهورية الثانية إلى الثالثة، وهذا الملف لا بد من أن تتم معالجته داخليًا كي لا يتحول لبنان إلى ساحة حربٍ أهليةٍ أو حرب وكالة.

اليوم إن حصلت المعارضة أو الثورة على أكثرية نيابية في الانتخابات القادمة، لن تستطيع أن تحقق التغيير الذي كانوا يرفعونه، وقد يتحولوا إلى سلطة جائرة وفاسدة لاحقًا، لأنه ببساطة هناك الكثير من الإصلاحيين الذين دخلوا إلى السلطة، ولكنهم عجزوا عن أي تغييرٍ أو إصلاحٍ بسبب النظام القائم الذي يكرّس الفساد والتشنج، فإن الفساد مقنن في هذه الجمهورية ولا بد من عملية جراحية لاستئصاله من جذوره، فالجمهورية الثالثة يجب أن تكون أحد أهم البنود في أجندة الثوار أو المعارضة، التي سوف تكون خشبة الخلاص للبنان.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة