شعار قسم مدونات

السينما الجزائرية.. من العالمية إلى الانكماش

صور للفنان حسن الحساني ملك الكوميديا الجزائرية
الفنان حسن الحساني ملك الكوميديا الجزائرية الذي تقمص خلال مسيرته الفنية عدة أدوار كوميديا (الصحافة الجزائرية)

 

السينما في الظاهر هي قصص تروى بعدسات الكاميرا وزواياها، بالحوار والديكور والموسيقى، ولكن في عمقها هي انعكاس لتصورات المجتمع عن نفسه وعن تطلعاته، وعن الحالة الإبداعية التي يعيشها، كما تعكس السينما الحالة السياسية والاجتماعية التي تعيشها الأمة.

أول ظهور للسينما في الجزائر كان أثناء الاستعمار الفرنسي، كلف الإخوة "لوميير" مصوريهم بتصوير أفلام وثائقية عن المدن الجزائرية، والطبيعة والأهالي هناك. أحد أبرز المصورين في تلك الفترة كان "فيليكس مسغيش"، وقد وثق الكثير من الأفلام الوثائقية الصامتة عن المدن الجزائرية.

استخدمت فرنسا السينما في البروباغاندا لتحسين صورة الاحتلال وترسيخ الصور النمطية عن الجزائريين. كانت أفلام تلك الفترة تحمل أسماء مثل "المسلم المضحك" و"علي يشرب الزيت" وعناوين أخرى تصور الجزائري في شكل كاريكاتوري.

 

 

ولدت السينما الوطنية من صلب حرب التحرير، ففي فترة الخمسينيات اقترح أحد الفرنسيين المناهضين للاستعمار -واسمه: رونيه فوتي- على قادة الثورة إنتاج فيلم عن ثورة التحرير، يظهر فيه القضية الجزائرية للعالم أجمع، ويسلط الضوء على الاعتداءات التي تقوم بها فرنسا على الأهالي الجزائريين.

أُعجبت قيادة جبهة التحرير الوطني بالفكرة، وفي سنة 1957 أسس كل من جمال شاندرلي ومحمد لخضر حمينة وأحمد راشدي خلية للإنتاج السينمائي؛ لتوثيق التجربة الجزائرية في حرب التحرير. كان فيلم "الجزائر تحترق" من إنتاج رونيه فوتي سنة 1958 أول فيلم ينتج في تلك الفترة، وبعدها أُنتجت أفلام مثل "بنادق الحرية" و"صوت الشعب" و"جزائرنا".

بعد الاستقلال مباشرة، كانت ثورة التحرير لا تزال الموضوع الرئيسي لمعظم الأفلام الجزائرية على قلتها، والبعض منها نال جوائز عالمية. فيلم "معركة الجزائر" (La bataille d’Alger) للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو نال جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية للأفلام، كما حاز فيلم "وقائع سنين الجمر" للمخرج محمد لخضر حمينة على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان "كان"، والجائزة الكبرى بمهرجان موسكو، وكان حمينة أول أفريقي ينال جائزة السعفة الذهبية.

تعرض فيلم "وقائع سنين الجمر" ومخرجه لانتقادات عديدة داخل الجزائر، وقد تحدث رئيس الجمهورية هواري بومدين مع حمينة شخصيا منتقدا هذا الفيلم. فبحسب رأي بومدين، كان فيلم "وقائع سنين الجمر" يُمجّد الاستعمار أو على الأقل يستنقص من آثاره السلبية.

عُرف عن الرئيس السابق اهتمامه بالسينما والمرئيات، وتأثير القوى الناعمة بشكل عام، ونظرا لسيادة الحكم الشمولي حينها فقد كانت السينما إحدى أولويات الدولة الجزائرية، كمرجعية ثقافية للدولة، وكإعلان عن صعود دولة حديثة الاستقلال على المسرح الدولي، وكان التمويل الحكومي هو المصدر الرئيسي لكل الأفلام الجزائرية في ذلك الوقت.

 

 

تُعتبر الأيديولوجيا إحدى أهم المحفزات لأي إنتاج إبداعي، فبالإضافة إلى التذكير بالثورة في الأفلام الجزائرية، كانت للمشاريع الاشتراكية -كالثورة الزراعية والثورة الصناعية- دور كبير في السينما الجزائرية، خاصة في السبعينيات من القرن العشرين. كانت هذه الأفلام تحاكي قضايا البناء الوطني، وحياة الريف وتوزيع الأراضي والتعمير.

فيلم "نوة" لعبد العزيز طولبي، و"الفحام" لمحمد بوعماري، و"المغتصبون" للأمين مرباح، هي بعض الأمثلة عن نوعية الأفلام التي كانت تطرح في تلك الفترة. كما عرفت السبعينيات أفلاما أخرى تعالج القضايا الاجتماعية، كفيلم "عمر قتلاتو" للمخرج مرزاق علواش، الذي يُحاكي يوميات شاب في الجزائر العاصمة.

ولم تقتصر الأفلام الجزائرية عن قصص من المجتمع الجزائري فقط، بل استوحت قصصا من بلدان أخرى أيضا، فقصة فيلم " نهلة" للمخرج فاروق بلوفة -على سبيل المثال- تدور أحداثها حول الحرب الأهلية اللبنانية والدور الأنثوي في الحروب.

 

 

في الثمانينيات ومع التغيرات السياسية (وفاة الرئيس هواري بومدين، وتعيين الشاذلي بن جديد رئيسا)، ومع بروز بعض المشاكل الاقتصادية (انخفاض سعر برميل النفط)، انخفض التمويل الحكومي للإنتاج السينمائي، وتلاشت معه الدفعة الأيديولوجية التي كانت في الستينيات والسبعينيات.

ولكن الإنتاج السينمائي لم ينقطع كليا، فعرفت تلك الفترة تنوعا في الأفلام المطروحة، منها الكوميدي كفيلم "الطاكسي المخفي" للمخرج بن عمر بختي، ومنها التاريخي كفيلم "الشيخ بوعمامة" لنفس المخرج الذي تناول المقاومة الشعبية للاحتلال الفرنسي في النصف الثاني من القرن 19، ومنها الدرامي كفيلم "القلعة" للمخرج محمد الشويخ الذي عالج قضايا الزواج والمرأة.

وبقيت حال السينما الجزائرية في مد وجزر بعد تراجع التمويل الحكومي وفقدان التمويل الخاص، وتراجعت بذلك الثقافة السينمائية والاهتمام العام بالأفلام في الجزائر.

عرفت مرحلة التسعينيات الحرب الأهلية الجزائرية (أو ما يعرف بالعشرية السوداء)، وما كان يعتبر تدهورا في الإنتاج السينمائي في الثمانينيات أصبح شبه ميت في التسعينيات. راح العديد من المثقفين والفنانين ضحايا لهذه الحرب، فبالإضافة إلى شح الإنتاج السينمائي، أصبح امتهان السينما أمرا خطيرا في هذه الفترة من تاريخ الجزائر.

بعد الألفية الجديدة ومع استقرار البلاد، حاول بعض المخرجين إعادة إحياء الساحة السينمائية. عاد المخرج أحمد رشدي بفيلمي "مصطفى بن بولعيد" و"كريم بلقاسم"، وعاد المخرج محمد لخضر حمينة بفيلم "غروب الظلال"، كما ظهر جيل آخر من السينمائيين حاول إنتاج بعض الأفلام بالتعاون مع جهات تمويل وطنية وأجنبية، لكن نظرا لعوامل سياسية واقتصادية عديدة، لم تتمكن السينما الجزائرية من إيجاد بيئة خصبة لإحياء هذا الفن مجددا في الجزائر، وبقيت الأفلام الحديثة محصورة في دائرة المهرجانات الدولية، دون أي متابعة من طرف المشاهد الجزائري إلا في حالات قليلة ونادرة.