موت أحمد جبريل.. السيرة الذاتية وفبركتها

أحمد جبريل - فلسطين تحت المجهر - الجذري والمنقوص في حق العودة 2/11/2012
أحمد جبريل - فلسطين تحت المجهر (الجزيرة)

 

غيب الموت قبل أيام في دمشق أحمد جبريل، أمين عام "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة"، وواحد من أشهر القيادات التي تركت أثرا غائرا ومؤلما في وجدان الفلسطينيين في الشتات في لبنان وسوريا.

 

الراحل الذي ارتبط اسمه في محطات الثورة الفلسطينية المعاصرة بعبارة " الغدر والخيانة" لمشروعها، والتنظيم الملتصق حتى النخاع بمشروع مخابرات حافظ الأسد في الملف الفلسطيني، منذ تشكيل وإنشاء القيادة العامة أواخر ستينيات القرن الماضي، على أيدي الضابط في جيش البعث أحمد جبريل، والمنشق عن رفاقه في الجبهة الشعبية بزعامة جورج حبشه، بدأت رحلته الصراعية التصادمية مع قوى الثورة في لبنان مع مشروع حافظ الأسد العام 1976 بغزو لبنان لضرب الحركة الوطنية الفلسطينية-اللبنانية.

استخدم أحمد جبريل عمليتي الجبهة العسكريتين "الخالصة 1974″ و"شهداء قبية-الطيران الشراعي 1987" ضد الاحتلال للتغطية على دوره المحوري الواسع في ضرب الوجود الفلسطيني في لبنان ومشاركته قوات الأسد في حصار المخيمات الفلسطينية في تل الزعتر 1976، وحصار ياسر عرفات في طرابلس 1983، وحصار المخيمات في برج البراجنة وصبرا، بدعم مباشر من جيش حافظ الأسد.

وكان له الدور الكبير في مهاجمة مخيم نهر البارد في طرابلس اللبنانية وتدمير المخيم وتهجير سكانه عام 2007، ولم يقتصر النشاط العسكري والأمني لتنظيم القيادة العامة على الأراضي اللبنانية السورية، وسرعان ما تم تحويله إلى ليبيا في العام 1987 لمساندة القذافي في حربه مع تشاد على إقليم أوزو الشهير، والذي اشتهر فيما بعد بتنظيم القيادة العامة "تنظيم أوزو" لشهرته في شحن المقاتلين المرتزقة.

 

العقد الأخير من حياة أحمد جبريل وتنظيم القيادة العامة، كان الأكثر ضخامة في حصاده لأرواح أبناء فلسطين وسوريا، والأكثر ثراء لسيرته الذاتية المثقلة بأرواح آلاف الفلسطينيين والسوريين، إذ طالما تغنى جبريل بعلاقته الوثيقة مع النظام السوري وأجهزته الأمنية المختلفة.

 

ومنذ بداية الثورة السورية في مارس/آذار 2011، أعلن جبريل منذ اليوم الأول انحيازه للنظام بإرسال مجموعات عسكرية وأمنية إلى مدينة درعا ومخيمها، وعملت مكاتبه وعناصره على تقفي أثر النشطاء هناك وتزويد أجهزة الأمن بالمعلومات، وعندما اندلعت المظاهرات في بقية المناطق السورية شكل ابنه خالد جبريل "أبو العمرين" وحدة خاصة أشرف عليها شخصيا لتجول في مناطق عدة في محيط دمشق وغوطتها لتزويد أجهزة الأمن بالمعلومات.

لم يخف جبريل وتنظيمه الوقوف بجانب الأسد، فكانت إطلالته الإعلامية في السنوات الأخيرة تؤكد ذلك

الجبهة وحزب الله وإيران سيكونون جزءا من المعركة

إلى جانب النظام السوري،

وكان مسؤول الإعلام الأمني حينها "أنور رجا" نجم المحطات التلفزيونية والإذاعية يدلي بمئات البيانات والتصريحات التي تؤكد موقف القيادة العامة المنحاز عسكرياً وأمنيا وسياسياً ومعنويا لجانب قوات الأسد.

لا يتذكر أبناء مخيمات سوريا، وتحديدا في اليرموك، من تاريخ جبريل السياسي والعسكري و"النضالي" غير ما خبروه به في مخيمهم، عندما وجدوا تنظيمه في مواجهتهم ضد التعبير عن رأيهم وغضبهم من زج العناصر المنتسبة لتنظيم القيادة العامة في مواجهة السوريين، وعندما زج بالفلسطينيين عند الحدود مع الجولان المحتل في يونيو/حزيران 2011.

وسرعان ما حاكمته جماهير الشارع الفلسطيني الغاضبة والهاتفة "بغدره وخيانته" فأطلق الرصاص الحي بمواجهة الشارع الفلسطيني الذي حاصر مقره وأحرقه وأجبر جبريل على التسلل من مبنى "الخالصة" في اليرموك بمساعدة وحدة أمنية تتبع علي مملوك شخصياً وفرت له هروباً مناسباً.

تزوير ما عايشه أبناء فلسطين في المخيمات السورية، من حصار وقتل ونهب مستمر حتى هذه اللحظة لممتلكات ما تبقى للاجئين تحت بصر وإشراف القيادة العامة وفرع فلسطين، هو ما أخذته على عاتقها نخبة فلسطينية رسمية في دمشق ورام الله وبيروت وغزة، من خلال بيانات النعي التي تصف جبريل بمؤسس الثورة الفلسطينية، ولا تذكر تأسيسه تيار الغدر والتشبيح وتيار جرأة قتل الفلسطيني في مخيماته، الأسباب كثيرة تتلخص في جملة قالها محمود درويش في رثاء غسان كنفاني  "باعوا الضحية فاشتكت، فاجتمع الغزاة والطغاة على إخماد شكواها، لأن سلامتهم واحدة".

السلامة الواحدة التي تجمع منهجية جبريل التي رسمها حافظ الأسد في ملف فلسطين، مع حركة تحرر وطني مثل "فتح"، أو الجبهة الشعبية التي تترحم على أحد منشقيها جبريل وعلى واحد من كبار أعداء شعبها وتمنحه مرتبة الشهيد بينما الألسن تقطع وتخرس إذا ما سألت عن بقية الضحايا في أقبية فرع فلسطين الأسدي الذي ساهم أحمد جبريل في تكديس الجثث به من خلال مطاردة واعتقال نشطاء سوريا وفلسطين.

فهذا يدل على استهبال مريع لعقل الفلسطيني الذي كان شاهدا حيا على مليشيا جبريل بالصورة والصوت والوثيقة، وهي تدك مخيم اليرموك بقذائف الأسد، وتسوق أبناء شعبها نحو مذبح فلسطين بدمشق "فرع فلسطين" الذي أوكل إليها عملية حصار المخيم وتشديده على اليرموك الذي أودى بمئتي ضحية من الجوع.

أحمد جبريل حول شققا سكنية في أول المخيم "في بناء القاعة" لمراكز اعتقال وتحقيق مشترك مع مخابرات فرع فلسطين والجوية وأقام مراكز تعذيب فيها يموت كل يوم واحد من أبناء فلسطين في أقبية التعذيب في سوريا، وفي سجونها ومعتقلاتها قضى من أبنائها سنوات تفوق عمداء الأسرى في معتقلات العدو، لم تتحرك بيانات النعي الفصائلية ولم تجرؤ حتى للمطالبة بجثثهم لأن قاتلهم ممانع ويحتضن زملاءه من القتلة، وعندما يموت أحد القتلة تتسابق البيانات لفبركة سيرة ذاتية تليق بعبارة "شهيد فلسطين" بينما شهيد فرع فلسطين من مخيم اليرموك باستطاعته إخراس سلطة وفصائل وتقزيم بطولاتها الأسطورية كما تحب أن يذكر في ملصقات النعي.

 

أخيرا، هل المطلوب من الفلسطيني أن يتذكر عملية "الخالصة وقبية فقط"، لصالح طمس مئات الجرائم التي اقترفها جبريل بحق أبناء فلسطين وسوريا؟ وهل رثاء السلطة الفلسطينية وحركة حماس والشعبية وبقية الفصائل لخسارتهم أحمد جبريل، مع استحضار العمليتين يغفر بقية الجرائم؟ ولا يجوز الحديث عنها؟ وتغفر لمن رفع ربطات الخبز أمام المحاصرين في اليرموك جوعا ليتم قنصهم ومن ثم موتهم جوعا في استحضار لممارسات سابقة في تل الزعتر وبرج البراجنة والبداوي ونهر البارد؟ وهل فبركة سيرة ذاتية على مقاس فلسطين وشعاراتها التي أتقن محور المقاومة عزفها بمقدورها إخماد صوت الضحايا؟

 

سيبقى مخيم اليرموك والثورة السورية الشاهد الأكثر فظاعة وفجاجة على الانحدار الأخلاقي لمؤازري القتلة والجلادين والطغاة، وكل من يرحل منهم يعني فوزاً لأرواح لم تستطع سطوة القتلة الوصول إليها، رحيل القتلة يذكرنا فقط بالرحمة على أرواح ضحاياهم في فروع فلسطين والجوية وكل فروع مخابرات الأسد التي استقوى بها وكلاؤهم في الفرع الفصائلي الفلسطيني وكبر فيها أحمد جبريل واستأسد على شعبه من خلالها.