"عتاب" الأخوين و"عتاب" سمر هنيدي.. شجون في النغم

لوحة للسيدة فيروز على صفحات كتاب رسمها الفنان منتظر الحكيم (الجزيرة)

 

"عتاب" أغنية شهيرة لفيروز، سجلت أولاً للإذاعة اللبنانية ولكنها لم تنتشر، لأن البث كان محدوداً، ويبدو أنها كان لها خصوصية في حياة فيروز وعاصي الرحباني، فأرادا لها الانتشار، وأعادا تسجيلها لإذاعة دمشق، التي كانت قادرة على إيصال بثها، كما إذاعة القاهرة، إلى أغلب البلدان العربية، في إطار الاتفاق الذي كان يقضي بحضور عاصي ومنصور الرحباني وفيروز أسبوعياً إلى دمشق لتسجيل أعمال جديدة.

ويقول الناقد والمؤرخ الموسيقي سعد الله آغا القلعة، إن الأغنية سجلت في إذاعة دمشق في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 1952، وأنها فتحت لفيروز أبواب الشهرة، وهو ما شجع الأخوين رحباني على طباعتها على أسطوانة في باريس، مفتتحين بها مساراً ناجحاً لإنتاج أسطوانات فيروز، استمر معهم طيلة مشوارهم الفني المشترك، وأشار إلى أن الأغنية عبرت عن حيرة فتاة أمام غيرة الحبيب، وعن عجزها عن معالجة هذا الواقع.

 

وتقول كلماتها:

حاجي تعاتبني يئست من العتاب، ومن كتر ما حملتني هالجسم داب

وعلى نفس الهيئة في الحب والعتاب وبعد 69 عاما أعادت الشاعرة الأردنية سمر هنيدي بإحساسها الصادق قصيدة غنائية بعنوان "كيفك" مليئة بالاشتياق والعتاب والتي غناها الفنان ماجد المهندس.

وكأن هذه القصيدة المغناة هي السؤال الذي أجاب عليه الأخوان الرحباني بصوت فيروز عندما غنت "عتاب" ما بين تلك السنوات والحروب المثقلة بالرصاص كان هناك ثابت واحد لا يتغير وهو الحب، حيث جمع الشعراء باختلاف بلدانهم وأديانهم وألوانهم ليعبروا عن الحب بطريقتهم التي تحدت كل الظروف في حينه.

فعندما كان يكتب الرحابنة قصائدهم كان رصاص الاحتلال يغطي سماء بيروت ومع ذلك يتمسكون بالحب ولا شيء غيره لأنه السلاح الأوحد الذي يجابه القيود، وعندما كتبت سمر تلك الكلمات كانت السماء مليئة بالشوق والحزن للغياب ومع هذا أشعلت قلوب الكثيرين فرحاً وشوقاً لمن يعيشون معهم قصص الغرام المنسية خلف جبال الغربة وكثافة المدن المطحونة بالتحديات لهذا الحب.

وعندما نسمع ذاك العتاب وذاك العتاب نجد أن الحالة الشعرية لهؤلاء الشعراء تجاوزت المكان والزمان متفوقة على قدرات الشاعر نفسه في التعبير عن حالة الحب التي تجعله يترجم تلك المشاعر إلى جدارية غنائية رائعة لا يمكن لها أن تنسى، مهما طال الزمن.

وبالنظر إلى كلمات ما كتبته سمر نجدها تجاوزت الزمان والمكان وكانت باللهجة اللبنانية وكأنها حقاً عتاب جميل بين أجيال مختلفة بالكتابة والغناء، هناك غنتها فيروز وكتبها الرحابنة وهنا غناها ماجد وكتبتها سمر.

 

بالنظر إلى جزء من كلمات العتاب النقي التي كتبتها سمر هنيدي:

كيفك .. حبيت سلم عليك
كيف صارو عينيك بعدن عم يدمعو
كيفك .. شو صاير بحالك عم بخطر عبالك
وجهي بتتذكرو
انا يلي كنت حدك
بعملك شو مابدك
بس الهيئة انته نسيت
انا يلي كنت تموت
لو ثانيه في بعدي تفوت
بس الهيئة انته قسيت
كيفك ..

نجد الأخوين الرحباني أجاباها بصوت فيروز قبل نصف قرن على طريقتهما وكأن هذه المعلمة الرقيقة مربية الأجيال بأدبها الإنجليزي الذي درسته ودرسته لم تنس يوماً روحها وثقافتها العربية التي جعلت منها شاعرة في الصفوف الأولى لمن التقط كلماتها وغنى لها من أجمل الأصوات العربية، وكأن ماجد المهندس أسقط كل هذا الجمال في الكلام على إحساسه الرقيق والمشبع بالحب ليترجم ما كتبته سمر عن تلك الحالة التي كونت بالنهاية غيمة مليئة بالحياة والشوق جمعت فيها أرواح المحبين حتى وإن أبعدتهم ظروف الحياة ومعاركها الجانبية عن بعضهم البعض.

لذلك فإن الجمال الأدبي حتى وإن كان في كلمة واحدة يستحق أن يكتب عنه دون تردد، لأنه تاريخ ناصع بالبياض والحب والسعادة التي لا تنضب، فسمر هنيدي عاتبت الرحابنة بعد نصف قرن دون أن تشعر بأن إحساسها قد مر على قلوب الأخوين الرحباني في عتاب فيروز وصدحت به إذاعات الشرق الأوسط تحت زخات الرصاص والخيبات.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة