لنعزز قيم الصناعة الذاتية الفلسطينية

فادي العصا/ فلسطين/ كورونا/ كورونا وحجاج المهد والاقتصاد الفلسطيني (الجزيرة)
فادي العصا/ فلسطين/ كورونا/ كورونا وحجاج المهد والاقتصاد الفلسطيني (الجزيرة)

 

سنتان قضيتهما في فلسطين الغالية أتجول في مدنها وقراها من الجليل وحتى النقب، سنتان تفاجأت فيهما بأن الشعب الواقع تحت نير الاحتلال مفعم بالحياة والحيوية والعطاء، شعب منفتح على ثقافات العالم ويشارك في كل المعارض الدولية ويفتح أبواب التجارة مع دول العالم في قاراته الخمس، ويحفر في صخر الواقع الصلد، ويبحث دوماً عن التجدد بصورة قد يسبق بها شعوب العالم المتقدم ذاتها.

 

لقد دخلت مصانع في فلسطين لا تضاهيها مصانع أوروبا والولايات المتحدة، وتفاعلت مع شركات ومنشآت اقتصادية تحمل في جنباتها بعداً دولياً يجعلها في مصاف الشركات العابرة للقارات، وتعرفت على عقول إبداعية شبابية تستطيع بالفعل أن تحقق الإنجاز الصناعي وتوطين الصناعات العالمية بجودة حقيقية، وبمستويات إنتاجية فاعلة تحقق النماء للفرد والمؤسسة والوطن على حد سواء..

وبرغم العوائق المعلومة للجميع فإن العقل الفلسطيني يبدع ويبدع، يبدع في التفكير ويبدع في استحداث وسائل الإنتاج وتنويعها، ويتفاعل مع كل جهد وفكرة لتأمين المواد الخام والآلات الصناعية، والأفكار المستحدثة في بناء المصانع والورش الصغيرة والمتوسطة، وتعرفت خلال هذه الفترة البسيطة على عقليات ذات خبرة واسعة في مجالات الاختصاص تشق طريقها بكل عنفوان لتصنع -برغم قسوة الظروف- سيرة عاطرة بالنجاح والإنجاز.

لكن القطيعة المؤلمة بين القطاع الأكاديمي والقطاع الخاص، وظروف التضييق على المعدات الصناعية والمواد الخام والنقل البحري والتفتيش والضرائب، ونحوها من معيقات الاستثمار وركائز الاقتصاد العام، تقف حجر عثرة فعلية في وجه هؤلاء المبادرين، إضافة إلى افتقاد من يملكون مفاتيح التشبيك الدولي الفاعل لتعزيز الواردات المطلوبة والصادرات المنتجة، وهو ما يتطلب إعادة هيكلة لطبائع التفكير ووسائل التعامل مع المنتج الوطني القائم، إضافة إلى تحقيق برامج عمل بمستويات مختلفة لتعزيز الشراكات الدولية التي تفتح الحدود المعرفية بالمنتج الفلسطيني وتعزز قوة الاقتصاد الفلسطيني بالمنتجات والمواد الخام والآلات الصناعية التي تعين العقول الفلسطينية على خوض التحديات الاقتصادية بكل قوة، بعد امتلاك خطط النجاح ومقومات الإنتاج وفرق العمل التخصصية الداعمة، والأسواق التي بإمكانها استيعاب المنتج الفلسطيني المطلوب عالمياً في مجالات متعددة.

 

إن صمود الشعب الفلسطيني وقدرته على تحقيق الحياة الكريمة لا تتحقق بغير اقتصاد حقيقي مستقل في صورته وهويته وقدراته، وتفاعل عربي وإسلامي حقيقي وفاعل معه على مستوى اتحادات رجال الأعمال الذين تمتد اتحاداتهم لتغطي الجغرافيا العالمية، وبإمكانهم أن يكونوا سنداً وظهيراً للاقتصاد الفلسطيني على مستوى الدعاية للمنتج الفلسطيني والتعريف به وبمميزاته، وفتح الأسواق أمام السلع الإستراتيجية الفلسطينية،  بداية بالمنتجات التقليدية والحجر والزيتون والرخام والأحذية ونحوها، وصولاً للإنتاج الصناعي الإبداعي الذي يمكن للعقول الفلسطينية التي أبدعت في نيل العلم والحصول على  الشهادات العليا وتحصيل الخبرات الداخلية والخارجية أن تصنعه وتصدره بكل كفاءة واقتدار.

وفي حال تمت المزاوجة بين العقليات القيادية والإدارية وأسواق العمل التفاعلية داخليا وخارجياً، يمكن لنا التعويل على القطاع الخاص أن يكون رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني الفلسطيني، وأن يعبر الشباب الفلسطيني من خلال مبادراته الاقتصادية عن رؤيته الذاتية لمفهوم توطين الصناعات العالمية وتعزيز القدرات الإنتاجية في مجالات ومستويات وفضاءات تنافسية تتساوق مع الاقتصادات المنتجة، لا سيما إذا ما تم تمكين الشباب من القدرة على التخطيط الإستراتيجي والتفكير الإستراتيجي، واستطاعوا أن يهضموا لغة العصر التفاعلية والتسويق الإلكتروني والشراكات الدولية وبناء الخطط الإنتاجية بصورة تراكمية توصلهم لسلم النجاح خطوة خطوة.

 

لا غرو أن البنية التحتية البشرية والتقنية تمثل المنطلق الذي يمكن التعويل عليه في الانطلاقة السليمة لتعزيز مكانة العمل الصناعي المنتج في فلسطين، وإذا أضفنا الخبرة والرغبة والإمكانات المتاحة والدعم اللوجستي العربي الحاضن للاقتصاد الفلسطيني فنحن لا نتحدث عن اقتصاد بسيط في حجمه وشكل عطائه، بل نتحدث عن قدرة حقيقية على تلبية احتياجات السوق العالمية بالعديد من السلع الإستراتيجية بجودة وسعر منافس، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجاباً على الواقع الاقتصادي الفلسطيني والأسواق العالمية على حد سواء.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة