شعار قسم مدونات

فوق السحاب

غيمة تشبه التمساح يعتمدها صيادو السمك لرصد المناخ
غيمة (الجزيرة)

 

يحدث أن تخبّ بك لابوينغ سابحة في المدى، وقد جنحت إلى الأعالي تاركة مشهد الديار متواريا لمن يطل من شرفاتها في لحظة الإقلاع، فتجيش بالقلب كوامن الحنين ولواعجه، ويدّكر من الصور التي كانت تفاصيل يومياته بالمكان ما يزيد من اندلاع الشوق والإحساس بالفراق، وقد أعلنته لابوينغ باستوائها في الأفق، والمشهد الذي كان رهن العين تتشبث بأهدابه، والمسافة تأخذه منها أخذا، يختفي وتحول بينه وبينها ستائر الأفق التي تنسدل رويدا رويدا.

فما كِدْن لأياً بين جَرعاء مالك.. وبين النَّقا يعرفن إلا تماريا

ليغدو الفضاء بلقعا لا تعمره خريطة لمكان، كأن ذلك هو ما يناسب المغادرة، إذ ما بعد الديار اللابثة في الحنايا إلا الفراغ، الذي يستبد بالفضاء، ليُسهِم في إعادة الترتيب ذي الصلة بالشعور والتهيئة لإحلال المكان القادم موقعه ضمن إملاءات برمجيات الروح.

ولم يكن استئناف الرحلات في العادة إلا باعثا لتسجيل حقيقة ذلك الشعور لدى من كتبوا عنه، فقد قال الشنقيطي محمد ول أحمد يوره.

أتمسك دمع العين وهْو ذَروف.. وتأمن مكر البين وهو مخوف

تكلّم منا البعض والبعض ساكت.. غداة افترقنا والفراق صنوف

وآلت بنا الأحوال آخر لحظة.. إلى كلمات ما لهن حروف

لئن وقف الدمع الذي كان جاريا.. فثَمَّ أمور ما لهنَ وقوف

ولئن الرحلة تعرج لتأخذ محطة توقّف بدكار، يمكن استدعاء النص الذي وصف به الشيخ محمد سالم عدود سفَرا له من مدينة نواكشوط باتجاه أوروبا مرورا بدكار، فقال:

راحت تعثّر في السحاب كأنها.. ضَجرا بما تلقى به تتأفَّف

فكأن دور دكار لما حلّقت.. لبِن بأيدي العاملين مصفف

وكأن غابات الشوارع بينها.. حب حصيد في الجرين مجفّف

وترى السحاب كأنه من تحتها.. قطن ينفش تارة ويلفّف

تبقى محطات التوقف مثل جُمَل اعتراضية خلال السفر، وهي واقعة بين لابَتين؛ مكان المغادرة وبلد الوجهة، وما بين الأخيرين مجال لشوق المقلة المترقرق، وإذا كان مجرد إثارة الشجا -بما يحيل إلى الذكرى بالعوارض العادية كهديل الحمام وفق ما عُرف في الأدب العربي- أمرا شديد الوطأة على النفس عصيا في البال، فإن العصر الحديث مكّن للوعة الشجن بألوان يكاد المسافر ألا يكون له قِبلا بها، عندما يرى خط سير الرحلة، وهو يمر ثانية بالبلاد يسامتها ويظهر اسم المنطقة في شاشات المقاعد؛ لكنها ليست الرجعة، إنما هي دروب الطيران اقتضت هذا المرور، فتهيم العين متفحصة في الغمام السادر في جنبات الأفق وتمثلاتِ هذا المكان العلوي، الذي لا يسمح بفسحة نظر تقرّ بها العين أو يهيم بها الفؤاد أكثر، إذا ما عنّت تلك الوهاد والنِّجاد القابعة تحت هذه النقطة، وقد قالوا قديما "تمرّون الديارَ ولم تعوجوا".

يشبّ شعور مُضنى بالفراق، ولا تبدو على درجته حتى تلك اللحظات والمواقف، التي كانت من أكثر ما يثير الشجا في عوالم البين، ومنها:

هواتف يُذْكرن الشجيَّ أخا الهوى.. زمان التداني قبل رائعة النوى

وطيب لياليه الحميدة باللوى.. تداعين فاستبكيْن من كان ذا هوى

وفي معجم البلدان:

ألا قاتل الله الحمامة غدوة.. على الفرع ما ذا هيجت حين غنّت

تغنت غناء أعجميا فهيجت.. جواي الذي كانت ضلوعي أجنّت

نظرتُ بصحراء البريقين نظرة.. حجازية لو جن طرف لجنّت

كان ذلكم والمؤثرات لا تحيل إلى رؤية المكان كفاحا، فكيف والمكان مصاقب لك اللحظة، وما لك بأكثر من ذلك يَدَان.

وتمضي قلائص البوينغ في نهب المسافات، وطي نشرها، فتطالعنا مع الصباح أنوار عاصمة الإسلام إسطنبول، حيث أصالة التاريخ وعمقه الضارب والحضورُ الذي يغالب تحديات اليوم في رحلة عودة إلى الصدارة، وقد لا مست قُننها، وتبدو منها بمسافة ما تبدو الطائرات محاذية للشواهق الخضراء؛ التي تلمّ بأرض المطار كمنبر يتهيأ لاستقبال مؤذن في الناس، أو ليلقي إليه الناس أحمالهم، وهم في سفر من جميل سوانحه أن يجيء بهم إلى حيث عراقة هذه البلدة ورمزيتها، ولحقيقة الانضواء الحضاري الذي يثبت الوشائج، ويحيي ذاكرة التواصل والصلات يمكن أن تستعير ما عبر به الأديب جمال الحسن لنهر دجلة:

 

تأمّلي دجلة هل تعرفينْ.. هذا الفتى مرَّ هنا مذ سنينْ

حمَله سَعْد على رمحه.. نعم وغنى في حواشي الأمين