هيئة تحرير الشام ومساعي الانفكاك من العزلة السياسية

مركز مدينة إدلب حيث سيطرة هيئة تحرير الشام ( الجزيرة )
مركز مدينة إدلب حيث سيطرة هيئة تحرير الشام ( الجزيرة )

 

تحدث عدد من وكالات الأنباء الثورية السورية ووكالات أنباء وفضائيات عربية خلال الأيام الماضية عن تصريحات لـ"جيمس جيفري" المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا حول هيئة "تحرير الشام" وزعيمها "أبو محمد الجولاني"، وبدا من حديث جيفري أن الرسائل التي أراد الجولاني إيصالها للولايات المتحدة والغرب قد وصلت بالفعل، وأنه بات مستقرا لدى دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة أن استهداف أراضيها ومصالحها ومصالح الحكومات الغربية ليست على جدول أعمال قيادة "تحرير الشام"، وأن أهداف الهيئة تنحصر في العمل على إسقاط النظام الطائفي المجرم، ومقاومة الاحتلالين الروسي والإيراني حتى تحرير ثرى الشام، وإقامة نظام حكم إسلامي يليق بتضحيات الشعب السوري.

 

أعتقد أن إقدام قيادة هيئة تحرير الشام على مخاطبة الولايات المتحدة والغرب وإرسال رسائل توضّح فيها الهيئة أهدافها وأولوياتها؛ هو تقدّم محمود يُحسب لقيادة الهيئة على صعيد ممارسة الأنشطة السياسية والدبلوماسية، لتحقيق بعض غاياتها وأهدافها المرتبطة بآمال وأحلام وطموحات الشعب السوري الثائر، وذلك عبر الاستفادة من وسائل الإعلام الغربية والصحفيين الأجانب، كما حدث مؤخرا في لقاء الجولاني مع الصحفي الأميركي مارتن سميث لموقع "فرونت لاين"، وهذا ما يُعرف في علم الدبلوماسية بـ "الدبلوماسية العامة" أو "الدبلوماسية الشعبية"، كذلك نجد من خلال متابعتنا للشأن السوري أن الدعوات التي وجهتها حكومة الإنقاذ لوسائل الإعلام العربية والعالمية عدة مرات لزيارة إدلب والاطلاع على أحوالها وشؤونها؛ أسهمت في تحقيق اختراق مهم لجدار القطيعة التي فرضتها معظم وسائل الإعلام على إدلب. إن كل تلك الجهود من شأنها أن تسهم في تحييد المزيد من خصوم الثورة، للتفرغ والتركيز على استهداف النظام وداعميه.

 

تلك الرسائل والمقابلات والتصريحات هي جزء طبيعي من الجهد السياسي والدبلوماسي الذي تبذله الحركات الثورية والتحررية الناضجة لإيصال رسائلها وتوضيح مواقفها من الأعداء والخصوم من جهة، ومن القوى الفاعلة التي تتقاطع مصالحها مع مصالح القوى الثورية والتحررية من جهة أخرى، وهذا ما فعلته حركة حماس الفلسطينية حين وجّهت العديد من الرسائل الدبلوماسية للولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وأصدرت وثيقتها السياسية التي تعبّر أهدافها ورؤيتها لطبيعة الصراع مع المحتل، وكذلك مطالبتها المستمرة بشطب الحركة من لوائح الإرهاب، وكذا فعلت جماعة طالبان الأفغانية حين أرسلت رسائل الطمأنة لأميركا والمجتمع الغربي بأنها لن تسمح لأن تكون أراضيها منطلقا لتنفيذ عمليات عسكرية ضد المصالح الغربية، حيث قال رئيس مكتبها السياسي الملا عبد الغني برادر -في معرض إرسال طالبان لرسائل سياسية ودبلوماسية للولايات المتحدة والمجتمع الدولي عبر مقال نشره موقع "الإمارة الإسلامية" بتاريخ 20 يونيو/حزيران 2021-

إن أفغانستان قوية ومتحدة ونزيهة من الفساد أكثر نفعا لأميركا والعالم بأسره من نظام هش غير متمركز وفاسد.

 

الجدير ذكره هنا أن المبعوث الأميركي السابق "جيفري" -الذي زعم أن "هيئة تحرير الشام هي الخيار الأقل سوءا للولايات المتحدة"- لا يتقلد صفة رسمية في الولايات المتحدة، لكنه بكل تأكيد يعبّر عن السياسة العامة والإستراتيجية التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع الوضع القائم في الشمال المحرر والمنطقة، وأن الولايات المتحدة لا ترى في "الهيئة" عدوا لها، وهذا إنجاز مهم يُحسب للثورة ككل ويجّنب إدلب مخاطر الاستهداف والتدمير من قبل قوات التحالف الدولي كما حدث في الرقة والموصل مع تنظيم "داعش"، الأمر الذي يزيل الكثير من التخوّفات من الخصوم والأقران في الشمال المحرر الذين أعاقوا سابقا عدة محاولات للتوحّد والاندماج بين مكونات وفصائل الثورة بما فيهم هيئة "تحرير الشام" بزعم التصنيف وأثره على مستقبل الثورة في إدلب.

 

جيفري ذهب لأبعد من ذلك حين قال إن الولايات المتحدة لم تستهدف الجولاني ولم توجّه أي نقد للذين يتعاملون معه في إدلب، وأن الولايات المتحدة أبلغت الأتراك بذلك في أكثر من مناسبة، لذلك أقول إن مثل هذه التصريحات يجب أن تكون دافعا للفصائل التي بررت عدم استعدادها للاندماج في كيان واحد؛ لإعادة التفكير بجدية لجمع الساحة وتوحيد طاقاتها وحشد قواتها في جسم عسكري وسياسي واحد يمثّل الثورة ويسعى لتحقيق أهدافها، ويرفع مطالبها في كل المحافل الإقليمية والدولية، فالمعركة السياسية لا تقل قسوة وضراوة عن المعركة العسكرية، ولن تفلح الثورة السورية في تحقيق أهدافها قبل أن تنجح في جمع شتاتها، وقديما قالوا:

في الاتحاد قوة، وفي التفرق ضعف.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة