نزار بنات رقم في سجل ضحايا قمع أجهزة السلطة

(الجزيرة)
(الجزيرة)

 

 

المشهد الأول: مشهد ليل داخلي.. مكتب فخم ملحق به قاعة اجتماعات، وعدد من الرجال متحلقين حول رجل يبدو مهما.

يرن جرس الهاتف الجوال على المكتب، يركض أحدهم ليمسك بالهاتف ويرد، من الطرف الآخر يأتي صوت مساء الخير يا أحمد أعطني سيادة الوزير سريعا.

الرجل من المكتب "الوزير مشغول عنده اجتماع الآن، سيرد عليك لاحقا".

صوت المتصل "الأمر عاجل ولا يحتمل التأخير، سأحملك المسؤولية"

رجل المكتب "سأنظر إن كان يستطيع الرد الآن"، يذهب إلى الرجل الجالس على رأس منضدة الاجتماعات هامسا في أذنه "معالي الوزير.. اللواء محمد يريدك في أمر يقول إنه لا يتحمل التأخير".
يرد الوزير "أعطني إياه" ممسكا بالهاتف "ما الأمر يا محمد؟

اللواء محمد "الرجل لا يريد السكوت، من نصف ساعة نشر فيديو يكشف فيه آخر عملية، ويتهم سيادتك مباشرة وبلا مواربة بالفساد، وأتى على ذكر الرئيس والحزب بأكمله".

الوزير "أطلقوا اللجان الإلكترونية للتبليغ عن الفيديو بأنه يحرض على الكراهية ويدعو للعنف، وكلموا أصدقاءنا المسؤولين عن المنصة ليمحوا الفيديو سريعا قبل أن ينتشر".

اللواء محمد "معالي الوزير الفيديو أصبح على أكثر من منصة ومشاهداته بمئات الآلاف، ليس في بلدنا فقط؛ لكن في كل الدول العربية، ورد الفعل عليه قوي وساخط بشكل غير مسبوق".

الوزير "تخلص منه يا سيادة اللواء"، ولم يوضح ممن يتخلص!

 

المشهد الثاني

مشهد داخلي ليلي، شاب في منتصف العمر يرقد على سريره ممسكا جواله في إضاءة خافتة ويكتب.

الناشط على منصة التواصل يكتب "حين تغتال الأنظمة أحد الناشطين تتصرف بالشكل التالي:
التكتم على الموضوع وعدم إثارته مجتمعيا وإعلاميا، وإسكات أي صوت يتحدث فيه سريعا، لمحاصرة حال التعاطف مع الضحية، ثم تبدأ المرحلة الثانية من مواجهة الأزمة ببث الإشاعات حول الضحية، ولا مانع من تقارير طبية أو شهادات زور وممكن صور ملفقة، ومن ثم يتم التشكيك بنضاله ونفي رواية قتله، والنتيجة يفقد الضحية التعاطف والظهير الشعبي لقضيته التي هي قضيتهم وتمت القضية".

 

المشهد الثالث

مشهد خارجي ليلي، تجمع سيارات فان أمام مقر أمني، يقف قائد المجموعة موجها كلامه للصاعدين، "يا شباب كيف ما جلتلكم المجرم هاد لازم يتربى الحكومة والرئيس نفسه ضايج من سالفته وكلامه الكثير ولازم يخرس، والتعليمات أننا لازم نخلص منه، التنسيق الأمني رتب الأمر وراح ندخل نأخذه، وما حد راح يعترضنا، المهم لازم نجيبه كيف ما أمرت القيادة".

يركب الرجال الـ20 إلى الفانات متجهين إلى منزل الناشط في منتصف الليل.

 

المشهد الرابع

مشهد خارجي ليلي، بيت مكون من 3 طوابق لعائلة مسالمة، يسكن الأب وأبناؤه في البيت، ويستضيفون الناشط المطلوب أمنيا.

تقف الفانات، ويخرج منها الرجال الـ20 يتسورون سور البيت، وبعتلة حديدية يكسرون النافذة، وينتشرون في المنزل باحثين عن الناشط المطلوب، يوقظون كل من في البيت صارخين في وجوههم أين هو؟

يصل أحدهم إلى الناشط صارخا، وهو يضربه بالعتلة الحديدية: لقيته، فيهرول الباقون منزلين بالناشط أشد العذاب ضربا بالهراوات والعصي الغليظة، ثم يسحبونه سحلا إلى أحد الفانات المتوقفة خارج البيت، لتهرب السيارة مسرعة باتجاه منطقة الحكم الذاتي.

 

المشهد الخامس

مشهد داخلي ليلي، على مدخل أحد المقرات الأمنية اصطف عدد من العناصر الأمنية ممسكين بهراوات وعصي غليظة وكابلات الكهرباء الغليظة، الفانات تدخل إلى سلم المقر الأمني وتفتح بابها.

قائد المجموعة الراكب بجوار الناشط يصرخ "انزل يا أخو الــ.."، ويدفع الناشط إلى الخارج ليستقبله المصطفون بعصيهم وهراواتهم والكابلات الكهربائية الغليظة والناشط يجري من شدة الضرب إلى المجهول، تتبعه العناصر الأمنية، فيقع الناشط من كثرة الضرب، ويقف ليجري؛ لكنه لا يقوى فالضربات تلاحقه، يرتطم الناشط في الحائط ويرتد على أحد العناصر الممسك بعتلة حديدية، فيصرخ العنصر "وسختني بدمك يا أخو الــ.."، فيضربه بالعتلة فيقع الناشط بدون أن يحرك ساكنا.

يصرخ القائد "شو صار يا محسن قعده".

يرد العنصر محسن "هادي كح.." عم بيمثل ويصرخ في وجه الناشط "قم يا عر.."، فلا يستجيب الناشط.

يجثو أحد العناصر على قدميه، ويهز الناشط، فلا يستجيب، فيتحسس أنفاسه، ويصرخ: انقطع النفس سيدي.

فيرد القائد "يعني إيش.. مات يعني؟ كان السيد الوزير يبغى يشوفه قبل ما يموت، خدوه على المشفى، وقولوا حادث سيارة".

 

المشهد السادس

مشهد نهاري خارجي، الكاميرا على قرص الشمس الخارج من قلب البحر على الشاطئ الرملي في الإسكندرية، تلتف الكاميرا ببطء نحو عمارة سكنية، وترتفع رويدا رويدا إلى الشباك المفتوح في الدور الثالث، داخل الشقة سيدة تجلس في صدر غرفة الاستقبال متوشحه بالسواد، وتهذي بكلمات لا يفهمها إلا القليل.

المرأة المكلومة "قتلوه.. قتلوه لكنه شهيد، ابني خالد مكانش بتاع سياسة، ابني كل جرمه إنه فضح العصابة، بس اللي دافع عنهم مش هيسيبوه (يتركوه)، اللي كان بحارب علشان حقوقهم مش هيخذلوه، النظام هيرحل والفسدة هيرحلوا والعصابة الحاكمة هايتحسبوا والأمن اللي شغلهم بلطجية وبيحموهم هيتحسبوا الكل دوره جاي".

 

المشهد السابع

مشهد نهاري خارجي، تجمع عدد كبير من النساء والشباب والشيوخ أمام مقر الرئاسة في رام الله، الذي يحرسه عدد كبير من الجنود والعناصر الأمنية، منهم من يحمل العصي ومنهم من يحمل البنادق الآلية.

رافعين صورة نزار بنات تهتف الجموع الغاضبة: ارحل.. ارحل يا عباس، الشعب يريد إسقاط النظام، ليلحقهم هتاف آخر؛ لكنه واعٍ وأكثر عمقا وفهما للأزمة "يسقط.. يسقط حكم العسكر".

 

"فينالة"

يتجمع المتظاهرون أمام مقر الرئاسة في رام الله متقدمين نحو العناصر الأمنية للمسافة صفر مرددين أغنية:

شيد قصورك ع المزارع.. من كدنا وعمل إدينا

والخمارات جنب المصانع.. والسجن مطرح الجنينه

واطلق كلابك في الشوارع.. واقفل زنازينك علينا

وعرفنا مين سبب جراحنا.. وعرفنا روحنا والتقينا

عمال وفلاحين وطلبة.. دقت ساعتنا وابتدينا

نسلك طريق ما لهش راجع.. والنصر قرب من عنينا

تخرج الكاميرا طائرة إلى ميدان التحرير، حيث تجمع آخر يكمل كلمات الأغنية على لسانهم لتطير إلى ميدان التحرير في صنعاء، حيث تجمع آخر للأحرار يرددون كلمات الأغنية، لتطير بعدها الكاميرا إلى شارع الحبيب بورقيبة، حيث تجمع الثوار ينشدون الأغنية.

"فيد أوت" على شمس تشرق على نهر النيل في مصر تملء الأمة العربية بنورها، وينزل التتر فيه أسماء شهداء الثورات العربية في مصر وسوريا وتونس وليبيا واليمن والجزائر والسودان مع موسيقى أغنية "يحكى أن".

 

تعليق

لا يعني اختلافك مع ثائر أو ناشط أو مدافع عن حقوق أهل وطنه في دولة القمع، التي نعيش فيها أيا كان مسماها، أن ترفض من يناضل في تلك الدولة بالكلية، لا يعني أن الناشط تقاطع مع قضية ترفضها أن ذلك الناشط على الباطل، رفضك للظلم يعني رفضك للظلم بكل أشكاله، ودفاعك عن الحق يعني دفاعك عمن يدافع عنه، التفاصيل لا تهم والمبدأ هو الباقي.. كل منا اختار طريق نضاله، فمنا من اختار (النضال السياسي في دولة المليشيا) ومنا من اختار النضال الثوري في الدولة نفسها أو غيرها؛ لكن في النهاية.. كلنا في خندق الحرية جنود.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة