الشيخ الببلاوي.. شيخ الأزهر الذي استقال تأييدا للمفتي

الشيخ علي الببلاوي (مواقع التواصل)
الشيخ علي الببلاوي (مواقع التواصل)

 

الشيخ علي محمد الببلاوي (1835-1906) هو الشيخ الـ26 للأزهر، وهو صاحب الولاية الـ28، ويرجع السبب في هذا إلى أنه سبقه شيخان تولى كلٌّ منهما المنصب مرتين، وهما الشيخ محمد المهدي العباسي والشيخ شمس الدين الأنبابي.

كان كسلفه المباشر الشيخ سليم البشري من كبار فقهاء المذهب المالكي، وتولى منصبين كبيرين قبل المشيخة، فعمل ناظرا (أي مديرا) لدار الكتب ونقيبا للأشراف، وقد رزق منصب مشيخة الأزهر على غير توقع ولا سعي منه، كما تركه عندما أحس لهذا الترك ضرورة عندما أدرك حجم ما كان يتعرض له المفتي الشيخ محمد عبده في إصلاحاته من تعويق وكيد من أولي الأمر، وربما كان هذا الموقف أقوى موقف احتج به مسؤول في السياسات العامة في تاريخنا الحديث.

كان الشيخ علي محمد الببلاوي قد عرف بأنه من أكبر أنصار الشيخ محمد عبده في إصلاحاته، حتى أنه كان وهو شيخ للأزهر يمضي كل ما يراه الشيخ دون خوف من انتقاد، وقد ترك المشيخة -كما ذكرنا- بإرادته الحرة.

 

نشأته وتكوينه العلمي

ولد الشيخ علي الببلاوي (واسمه الكامل: علي بن محمد بن أحمد المالكي الحسني الإدريسي) في قرية ببلاو مركز ديروط محافظة أسيوط في شهر رجب 1251هـ/ 1835م، وإلى هذه القرية ينسب اسمه، وتلقى تعليما دينيا تقليديا من المتاح في عصره، حيث حفظ القرآن ومبادئ القراءة والكتابة، ثم حضر للأزهر الشريف في القاهرة (1269هـ/1853م)، وفيه قرأ على عدد من كبار شيوخه كان منهم: الشيخ محمد عليش، والشيخ منصور كساب، والسيد محمد الصاوي، والشيخ علي مرزوق، والشيخ إبراهيم السنجلفي، والشيخ أحمد الإسماعيلي، والشيخ محمد الإنبابي، والشيخ علي بن خليل الأسيوطي.

 

زمالته للشيخ حسونة النواوي

يروى أن الشيخ علي الببلاوي كان في شبابه زميلا للشيخ حسونة النواوي، فكانا يسكنان معا ويحضران معا كل الدروس إلا درس الفقه، فقد كان الببلاوي مالكيا، وكان حسونة النواوي حنفيا، ولعل هذه الرواية تدعونا إلى مراجعة ما هو معروف ومتواتر من أن مولد الشيخ النواوي كان سنة 1840 أو 1839، ذلك لأن هذه الزمالة لا تتوافق مع 4 أو 5 سنوات فرقا في السن، والله أعلم.

وعندما تأهل الشيخ علي الببلاوي بإجازة أساتذته له، تولى التدريس في الأزهر والمسجد الحسيني، وسافر للحجاز حيث أدى فريضة الحج (1280هـ/1864م).

ثم عيّن بدار الكتب بالقاهرة مغيرا (كان هذا هو اسم الوظيفة المختصة برعاية الكتاب)، فأظهر همة رائعة في وضع فهارسها وأرقامها وتصنيف مجموعات الكتب وترتيبها. فلما بدأت بوادر الثورة العرابية وأصبح صديقه محمود سامي باشا البارودي رئيسا للوزارة، عيّنه ناظرا لدار الكتب (1299هـ/1882م)، بعدما سعى كثيرون كي ينالوا هذه الوظيفة.

 

مصيره بعد الثورة العرابية

وعندما فشلت الثورة العرابية كان الشيخ الببلاوي يتوقع القبض عليه بسبب علاقته بحزب البارودي، لكن الخديو توفيق رأى الاكتفاء بفصله من منصب ناظر دار الكتب وتعيينه خطيبا في المسجد الحسيني، فأدى هذه الوظيفة باقتدار وظل فيها حتى عيّن شيخا لخدمة هذا المسجد في صفر 1311هـ/1893م.

 

تعيينه نقيبا للأشراف خلفا للسيد البكري

ولما غضب الخديو عباس حلمي غضبته المشهورة على السيد محمد توفيق البكري نقيب الأشراف وشيخ مشايخ الطرق الصوفية، أمره بالاستقالة من منصب نقابة الأشراف، وعندئذ سعى الشيخ حسونة النواوي (وكان إذ ذاك رئيسا لمجلس إدارة الأزهر قبيل إقامته شيخا عليه) لدى الخديو لتعيين الشيخ علي الببلاوي نقيبا للأشراف، وقد نجح في مسعاه وأصبح الشيخ علي الببلاوي نقيبا للإشراف (6 شوال 1312هـ/1894م).

وقد أثبت الببلاوي نجاحه في نقابة الأشراف، فقد اعتنى بموازنتها وجدد من أوقافها 6 دور بناها بجهة الحلمية، وأصبح يصرف الاستحقاقات في أوقاتها.

وسئل أن يتنازل عن رياسة الخدمة بالمسجد الحسيني فرفض، وقال: إن كانت النقابة تمنعني من خدمة سيدنا الحسين، فلا أقبلها.

 

اختياره شيخا للأزهر

ظل الشيخ علي محمد الببلاوي نقيبا للأشراف نحو 8 سنوات حتى اختير شيخا للأزهر [مع استقالة شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري من مشيخته الأولى] يوم الأحد 2 ذي الحجة 1320هـ/1902م، وقد أورد العلامة أحمد تيمور قصة اختياره لهذا المنصب الرفيع على النحو التالي:

".. وكان الخديو يريد إعادة الشيخ حسونة النواوي أو تنصيب الشيخ محمد بخيت المطيعي، فلم يوافق النظار على ذلك، فرشح الشيخ أحمد الرفاعي المالكي وأعلمه بذلك، وكاد هذا الأمر يتم، لكن الشيخ علي يوسف صاحب «المؤيد» وأكبر المقربين من الخديو، سعى في تعيين الشيخ المهدي نجل العلامة محمد المهدي العباسي، فرد عليه بأنه لا يصلح لخموله وانعدام خبرته، فطلب الخديو كشف أسماء العلماء، فوقع نظره على اسم الببلاوي، ففكر فيه على حين لم يكن خطر على بال أحد".

"وقد ساعد الشيخ علي يوسف على اختيار الشيخ الببلاوي شيخا للأزهر ليتمكن من إعادة السيد محمد توفيق البكري إلى النقابة، وهو ما حدث بالفعل ووافق النظار، وأعيد البكري إلى النقابة مضافة إلى رياسة الطرق الصوفية، وصدر الأمر في 2 من ذي الحجة بإقالة الشيخ سليم البشري من الأزهر وتنصيب الببلاوي".

 

عناية الببلاوي بتوظيف ولديه

ونمضي مع رواية أحمد تيمور باشا:

"…. فلما ذهب الشيخ الببلاوي لشكر الخديو على تعيينه شيخا للأزهر، استصحب معه ولده الأصغر السيد محمود، والتمس إقامته شيخا على المسجد الحسيني بدلا منه، كما أقيم أخوه الأكبر السيد محمد قبله خطيبا له، فأجاب الخديو طلبه".

 

خيَّب أمل الخديو في عرقلة الشيخ محمد عبده

ويروي العلامة أحمد باشا تيمور أيضا أن الخديو عباس حلمي في ذلك الحين كان على خلافه مع الشيخ محمد عبده مفتي مصر والعضو بمجلس إدارة الأزهر وصاحب الكلمة العليا فيه، وأنه كان يظن أن الشيخ الببلاوي سوف يؤيده في معارضة المفتي وعرقلة مساعيه، لكنه سرعان ما أدرك أنه أخطأ الظن، فقد مال الشيخ الببلاوي للشيخ محمد عبده كل الميل، ووافقه في كل مشروع.

 

علاقته الممتازة بالشيخ محمد عبده

وقد وصف العلامة أحمد تيمور علاقة الشيخ الببلاوي الممتازة بالشيخ محمد عبده، فقال متحدثا عن الببلاوي: "… اتحد به واندرج فيه حتى لم يكن له من الرياسة غير رسومها، والكلمة كلمة المفتي (أي الشيخ محمد عبده)"، ولما سئل في ذلك اعتذر بأن الرجل لا يريد غير الإصلاح، فلا يري وجها لمعارضته، وكان من الطبيعي إذن أن يغضب منه الخديو عباس.

 

استقالته تضامنا مع الشيخ محمد عبده

ولما اعتزم الإمام محمد عبده نفض يده من الأزهر، رأى الشيخ الببلاوي أن يستقيل هو الآخر من الأزهر، فاستقال يوم الثلاثاء 9 المحرم 1323 الموافق 16 مارس/آذار 1905، وأقيل يوم السبت 12 منه.

وهكذا انضم الشيخ الببلاوي إلى أسلافه الذين أظهروا الكرامة بترك المنصب حتى لا يفعلوا ما يتعارض مع عقيدتهم، وفي الوقت ذاته استقال الشيخ محمد عبده من مجلس الإدارة مرغما.

وقد عُيّن الشيخ عبد الرحمن الشربيني -الشافعي المذهب- خلفا له.

 

حياته بعد استقالته

أقام الشيخ علي محمد الببلاوي بعد ذلك في داره بالمناصرة، بعد أن قرر له الخديو 25 دينارا مصريا من الأوقاف تصرف له كل شهر، وظل الشيخ الببلاوي مواظبا على تلاوة القرآن كعادته، مقبلا على العبادة، حتى تقدم به المرض.

توفي الشيخ الببلاوي يوم الجمعة الثالث من ذي القعدة 1323 الموافق 30 ديسمبر/كانون الأول 1905، وشيعت جنازته بعد عصر يوم السبت، وصلي عليه بالمسجد الحسيني، وطيف به حول المقام كوصيته، ثم دفن بقرافة المجاورين في بستان العلماء.

 

آثاره

الأنوار الحسينية، على رسالة في شرح الحديث المسلسل.

رسالة فيما يتعلق بليلة النصف من شعبان، ولولده السيد محمود الببلاوي تعليق عليها سماه "عروس العرفان، في الحث على ترك البدع وشوائب النقصان"، على الرسالة الببلاوية المتعلقة بليلة النصف من شعبان.

 

كتاب لابنه عنه

يشير الزركلي إلى أن ابنه السيد محمود الببلاوي كتب سيرة حياة والده في "التاريخ الحسيني".

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة