الشفقة الإبراهيمية بدعوته لأبيه وقومه

مكة في عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام (الجزيرة)
مكة في عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام (الجزيرة)

 

بعد أن جمع الله تعالى لإبراهيم -عليه الصلاة والسّلام- المقامين، وشرّفه بالمنزلتين؛ منزلة الصدّيق ومنزلة النبيّ، توجه إلى أبيه بكلام يهز أعطاف السامعين، ويأخذ بمجامع القلوب في الاستدراج والإذعان والانقياد بألطف العبارات وأرشقها وهو مشتمل على حسن الملاطفة والاستدراج والرفق في الخصمة والحجاج والأدب العالي وحسن الخلق الحميد.

 

ونعيش في هذه الآيات الكريمة مع الخليل -عليه السّلام- وهو يحاور أباه ويعظه، ويُبطل له عقيدته الفاسدة بأدب واحترام وحكمة ورفق، قال الله تعالى حاكيا عن إبراهيم: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 42-45].

قد بدأ وعظ أبيه وإرشاده بندائه وقوله: {يَا أَبَتِ}، وهو نداء لطف ومحبة، استفتح به ليُحنن قلب أبيه ويستلطفه، والتاء في قوله {يَا أَبَتِ} عوض عن ياء المتكلم، وذكرها بدلا عن الياء مبالغة في التلطيف.

ونادى أباه مع أنه في حضرته، لإثارة انتباهه وإيقاظ نفسه وتهيئة ذهنه، والإقبال عليه بوعي وتركيز، واستخدم إبراهيم -عليه السّلام- في نداء أبيه أداة النداء {يَا} التي للبعيد، على الرغم من أنه قريب منه وبجواره، لإشعار أبيه بعلو منزلته ورفعة مكانته في نفس ابنه، وقد كرّر نداء بــ{يَا أَبَتِ} أربع مرات، وهو نداء يهمش له كل أب ويرق له ويتلذذ به، وهو نداء فيه من الرفق والتودد واللين والاستمالة ما فيه، وقد توجّه إلى أبيه بخطابه بوصف الأبوة إيماء إلى أنه مخلصٌ له النصيحة.

وبعد تلك التهيئة النفسية الرائعة ألقى على أبيه حجة فساد عبادته في صورة الاستفهام عن سبب عبادته وعمله الخطأ، فقال له: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا}، فابتدأ حواره بالحجة الراجحة إلى الحسِّ، واستفهم عن السبب الذي حدا بأبيه أن يعبد وثنا من حجارة، وقد وصف الوثن بثلاث صفات مذمومة: أحدها: لا يسمع، ثانيها: لا يبصر، ثالثها: لا يغني شيئا.

تأمل فطنة الداعية إلى الله إبراهيم -عليه السّلام- وهو يفنّد عقيدة أبيه في الأصنام، فوصفها بأوصاف تُبطل استحقاقها للألوهية، بيان ذلك أنّها إذا لم تسمع ولم تبصر ولا تنفع من يطيعها، ولا تضرُّ من يعصيها فأية فائدة في عبادتها؟ وإذا كان الدعاء لبّ العبادة، فالوثن إذا لم يسمع دعاء الداعي، فأيّة منفعة في عبادته؟ وإذا كانت لا تبصر من يتقرب إليها، فأيّة منفعة في ذلك التقرب؟ بل إذا كانت لا تبصر من يعظمها ويتقرب إليها، ولا من يحقرها ويؤذيها، فأية فائدة في عبادتها، وأيّ نفع لمن يعبدها؟ وإذا كانت لا تنفع ولا تضرّ فلا يرجى منها منفعة ولا يخاف من ضررها، فأية فائدة في عبادة ما لا تستطيع حماية نفسها من الكسر والإفساد، كما فعل بها إبراهيم -عليه السّلام- فيما بعد؟ فأيّة حماية تستطيع أن تقدّمها تلك الأوثان لمن يلجأ إليها؟

 

لقد واجه إبراهيم -عليه السّلام- أباه في عقيدته الفاسدة بسؤال الاستفهام المشوب بالتعجب والتوبيخ لمن يعبد وثنا أو صنما لا يملك لنفسه ولا لعابده شيئا، أي لم تعبد أصناما ناقصة في ذاتها وفي أفعالها، فلا تسمع ولا تبصر، ولا تملك لعابدها نفعا ولا ضرّا، بل ولا تملك لنفسها شيئا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع؟ فهذا برهان جليّ دالّ على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبحة عقلاً وشرعا، ودلّ على تنبيهه وإشارته إلى أن الذي يجب ويحسن عبادته من له الكمال الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه، ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو.

والأصل في العبادة أن يتوجه بها الإنسان إلى من هو أعلى من الإنسان، وأعلم وأقوى، وأن يرفعها إلى مقام أسمى من مقام الإنسان وأسمى.

وأن تكون العبادة لمن خلق الإنسان والمخلوقات، ولمن شأنه النفع والضرّ والثواب والعقاب، فقد ثبت عن الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في الصحيحين أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبّله، وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقبّلك ما قبّلتك.

 

إنّ العبادة هي غاية التعظيم، فلا تحقّ إلا لمن له غاية الإنعام، وهو الخالق الرازق القادر المحييّ المميت الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، الذي منه أصول النِّعم وفروعها، فهو وحده سبحانه وتعالى المستحق للعبادة.

وتعرف العبادة بأنها طاعة عبد لمعبود في أمره ونهيّه، فالذين يعبدون ما دون الله من صنم أو وثن أو شمس أو قمر، هل هذه الأصنام خلقتهم أو خلقت شيئا أو رزقتهم أو رزقت أحدا…؟ وبماذا أمرتهم هذه المعبودات؟ وعن أي شيء نهتهم؟ وماذا أعدّت هذه المعبودات لمن عبدها؟ وماذا أعدّت لمن عصاها؟ وما المنهج الذي جاءت به حتى تستحق العبادة؟ الجواب هنا: لا يوجد شيء من هذا كله، إذا فعبادتهم باطلة.

 

لقد سلك الخليل إبراهيم -عليه السّلام- في دعوة أبيه أحسن منهاج، واحتجّ عليه أبلغ احتجاج، بدأ بتخلية قلبه من تعظيم الأصنام، فبيّن له أنّها لا تستحق شيئا من العبادة والتعظيم لسكونها وعجزها وضعفها، فهي لا تسمع ولا تبصر، ولا تجلب نفعا لعابدها ولا تدفع عنه ضرّا.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة