تجربتي مع مرض السرطان.. (2)

(دويتشه فيلله)
(دويتشه فيلله)

 

يقول أبو الطبّ أبقراط (Hippocrates) -ابن إقليدس بن أبقراط، طبيب وفيلسوف، ومؤسس علم الطب، عاش في اليونان القديمة قبل الميلاد بـ400 سنة- المقولة المشهورة "غداؤُك دواؤك"، فالغذاء الصحّي هو كلّ ما يمدّ الجسم بالطاقة والحيوية التي تُحافظ على مناعته، إذ يُؤدي الغذاء النوعي المتكامل دور الدواء مع عوامل أخرى ضرورية؛ شرب الماء النقي الكافي والتنفس الصحيح والنوم الكافي النوعي والحركة المستمرة. ويضطلع الغذاء بالدور الأمثل في العمليات الكيميائية الأيضية -علمية التمثيل الغذائي- فيتحول الغذاء المتزن الصحي إلى طاقة حيوية في بناء خلايا جديدة سليمة قوية، ويعمل على بناء الدور المناعي الدفاعي والهجومي، فيكون الجسم قادرًا على حماية نفسه بنفسه من المؤثرات الداخلية والخارجية.

 

يقوم الجسم بتجديد 100 مليون خلية، في مقابل موت 100 مليون خلية في كلّ دقيقة، فمنها ما يتجدد في كلّ ساعة كخلايا الجلد، ومنها في أيام كالصفائح الدموية وخلايا المعدة والقولون، ومنها في أسابيع كخلايا الرئة، ومنها ما يتجدد في أشهر كخلايا الدم الحمراء وخلايا الكبد، ومنها في سنة كخلايا الدم البيضاء، ومنها في سنوات كخلايا العظام والعظلات، وبقدر ما نحافظ على إمداد الخلايا في أجسامنا بالعناصر المهمة لبنائها، وطرد السمّية منها، تتجدد الخلايا صحيحة من مكونات بنائيّة أساسية سليمة، في بيئة صالحة نقية من السمّية في الغالب.

واليوم بمفهوم الطبّ التقليدي أصبح من المتعارف عليه طبيًّا أنّ الجينات هي المسؤولة عن الأمراض بما في ذلك مرض السرطان، أما بمفهوم الطبّ الرباني الفطري الطبيعي، فإنّ الجينات هي عضو تناسلي في الخلية، ومرض السرطان ما هو إلا ردّ فعل لبيئة الجسم الحمضية الضعيفة بالأكسجين، ومن ثمّ فهو استجابة لضعف عملية الأيض التي لم تستطع المحافظة على التوازن الصحي للخلايا لأنّ الخلايا في بيئة مُرتفعة السمّية.

 

كلّ جسم يحتوي على خلايا سرطانية طبيعية، ومع مرور الوقت يؤدي نقص العناصر الضرورية النافعة والزيادة في السمّية الضارة إلى ضعف جهاز المناعة. إنّ مرض السرطان مصطلح عام يشمل مجموعة كبيرة من تراكمات الأمراض، التي تجعل الخلايا السرطانية الطبيعية تتسارع في انقسامات عشوائية لبعضها، ويُشار إلى تلك الأمراض بالأورام الخبيثة لأنها تعمل عمل المنافق الذي يعمل بطريقة خفية، فيظهر الجسم في بداية الأمر في صحة وعافية حتى يتوغل سنوات فيستحكم على أضعف جزء أو عضو من أعضاء الجسم، فيبدأ بإضعافه حتى آخر رمق، ثمّ قد ينتشر إلى الأعضاء الأخرى، حتى يؤول الجسم إلى السقوط متى ضعف بالفتك بذلك العضو.

ومع الأسف إنَّ هناك محاولة للتعتيم على الحقيقة التي لاحظتها جليّة بقراءاتي وبحثي المتواضع، ومن خلال تجربتي في المستشفيات أيضًا، غافلين عن طبيعة عمل جسم الإنسان علميًّا في تعافيه المستمر وتجدده، مُتناسيين حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والربانيين على مستوى جميع الأديان. إنَّ عدم اكتشاف العلاج الصحيح المناسب أو اكتشاف علاج مهلك مدمر للجسم هو خلل في المنهج المتبع في العلاج وليس في المنظومة الربانية، وأيضًا خلل في فهم منظومة الجسم في قابليته للتجدد والنمو والبقاء، ومن ثمّ فإنّ المنهج الرباني الفطري الطبيعي المتبع في أثناء العلاج يقوم على تجديد الخلايا التي تحتاج إلى مُدخلات للجسم صالحة في ذاتها، مُصلحة لغيرها من خلايا الجسم.

 

ومن الملاحظ أن هناك صحوة صحية قد تحدَّث البعض عنها من خلال البحوث وإصدار الكتب والمقابلات الشخصية مع الأطباء والتواصل الاجتماعي والقنوات الأخرى مشاهدة وسماعًا، فقامت هذه الصحوة على تصحيح المفاهيم الصحية ومنظومتها، وطرحت الأنظمة والعلاجات الطبيعية للأمراض، ومنها مرض السرطان، وهذه الأنظمة الوقائية والعلاجية يمكن أن تسهم إلى حدٍّ كبير في الحفاظ الحقيقي على النفس الإنسانيّة من خلال كسب الصحة والعافية للإنسان بعيدًا عن العلاجات الضارّة المهددة بالموت.

 

إنَّ السرطان مرض صنعته العلمانية المدنية باسم السوق التجارية، ليدرّ عليها الأرباح غير عابئة بمصير الإنسانيّة، فحوّلوا السرطان إلى تجارة تدرُّ عليهم المليارات، شهدت ازدهارًا كبيرًا بعد الحرب العالمية الثانية. وبغض النظر عن ما يحتاج إليه هؤلاء التجار من تحقيق الكسب الغير القانوني، فأنا أرى من خلال تجربتي أنّ محاربة السرطان تحتاج إلى تجنبه والوقاية منه ابتداءً بالوعي نحو تغيير نمط الحياة المدنية العلمانية التي نعيشها، ثمّ معالجته بإدراك ماهيته، وفهم طبيعة الجسم الذي خلقه الله تعالى بطبيعة ربانية فطرية، وأنَّ المرض عارض للدلالة على وجود نقص عناصر ضرورية للجسم وزيادة في سمّيته.

ومن ثم فإنه من المؤكد أنَّ العلمانية المدنية تسببت في انتشار الأمراض عمومًا ومرض السرطان خصوصًا، إذ أصبحت عبئا زائد في انتكاس دور الجهاز  الهضمي، بتفعيل دور الأكل السريع والأطعمة المصنعة (المكررة، المعلبة، الملونة، المُنكهة، المُدَعَّمَة بالمواد الحافظة، المهرمنة، المعدلة وراثيًّا)، وشُرب الماء بالقوارير البلاستيكية المسرطنة، وساعدت على انتشار سمّية البيئة من هواء وماء وجوّ، وإخراج نوع من البشر المسيرين (الآليين) الذين يعيشون في صناديق (غرف) بعيدة عن ضوء الشمس، مُكيفة بتكييف صناعي بعيدًا عن الهواء الطبيعي، تحركهم الآلات وتنقلهم بعيدًا عن الحركة المطلوبة المستمرة للجسم، تحصرهم علاقات عبر الأثير من خلال التواصل الاجتماعي الإلكتروني، كما وُضِعوا تحت الضغوط في جميع المجالات، حتى اضطربت علاقة البشر مع أجسادهم، واختلّت علاقتهم مع غيرهم من البشر، فانتكس الإنسان في جميع مناحي النفس الإنسانية؛ الفكر والروح والجسم.

 

إنّ المنهج العلماني ولج إلى بيوتنا من خلال الإعلام والتسويق، فأصبح له السُلطة في فرض سياسة القطيع، وأثر في الوعي الجمعي الذي جعل أسلوب الحياة في بيوتنا يتبع زيادة الوجبات الغذائية كمًّا ونوعًا من السكريات والنشويات والبروتينات الحيوانية والدهون المُهدرجة، التي زادت الوزن ثم نسبة سُمّيّة الجسم، ويُقابله التقليل من تناول الخضراوات والفواكه وشرب الماء، وانتشار العادات السيئة كالتدخين، وتلوث البيئة في جميع جوانبها، وأيضًا قلة الحركة والنشاط، واضطراب أوقات النوم، وزيادة استهلاك الأدوية دون النظر إلى مضاعفاتها، كلّ ذلك له دور كبير في زيادة مرض السرطان، بل الأمراض كلها بالعموم. إنَّ التراكمات السميّة النفسية والجسدية أصبحت حمولة مضاعفة، لم يستطع أن يتحملها الإنسان، فظهرت الأمراض النفسية والجسدية وانتشرت انتشارا ملحوظا مع هذه المدنية الزائفة والعلمانية القاهرة.

وفي المقابل كان نمط الحياة والنظام الغذائي التقليدي الذي كان من قبل سنوات الستينيات يتضمن كثيرا من الأغذية النباتية، مثل الفواكة، والخضراوات، والحبوب الكاملة، والمكسرات، والفاصولياء، والتمر -كان طعامه حبيبي صلى الله عليه وسلم الأسودين: التمر والماء- وكان الناس عادة يستهلكون منتجات الألبان بكميات متوسطة، وإن كانت تركز على الزبادي (الرايب) وليس الحليب، وفي المناطق الساحلية كانت الأسماك دعامة أساسية لطعام الناس، ولم يكونوا يستهلكون اللحم الأحمر إلا نادرًا، وكانوا يستخدمون زيت الزيتون بسخاء، وكانت الحلوى عادة الفاكهة الطازجة والمجففة، فكان النظام الغذائي غنيًّا بالفواكه والخضراوات والأطعمة المعتدلة في الألبان قليلة الدسم أو بغير دهن، ومنخفضة الصوديوم (الملح) والسكر، وتشمل هذه الوجبات أيضًا الحبوب، خصوصًا الحبوب الكاملة، والبقول والمكسرات، وكانت اللحوم الطازجة بأنواعها قليلة الاستهلاك.

 

كذلك كانت الحياة تسودها الحركة والانطلاق بحيوية ونشاط، بعيدًا عن الإشعاعات والأجواء الملوثة بعادمات المصانع والمبيدات والأسمدة الكيميائية والمنظفات السامّة، وأيضًا كانت بعيدة عن الأطعمة المصنّعة والمسرطنة، والمضاف إليها المواد الملونة والحافظة والمنكهه والمكررة، والماء الملوث، وكذلك كان الأساس الاعتدال بالنظام الغذائي المتكامل الصحي، والابتعاد عن السمّيّة الداخلية والخارجية للجسم، مع الانضباط في نظام النوم، واستمرراية الحركة، وكلّ ما سبق كانت عوامل ومؤشرات على الصحة والعافية، فنجد الناس سابقًا مفعمين بالحياة والحيوية والنشاط، لا يحملون أوزانًا فوق أوزانهم.

وكان الناس أكثر إيمانًا، وذلك يزيد الرضا والتسليم ومسايرة الحياة بالمعنى الحقيقي لمعانيها، وكان حُسن الأخلاق شائعًا، فيريح النفس ويؤلف القلوب بين العباد، وينشئ جوًّا من الرحمة والتسامح، ومن ثم تشيع الطمأنينة النفسية الداخلية، وينتشر الهدوء النسبي بين الناس عمومًا، فيجعل ذلك النفس الإنسانية أخف من ناحية الضغوط النفسية، ويعود بمردود صحي على الجسد.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة