هشام جعيط.. صرامة المنهج وقوس أسئلة لا ينتهي!

المشاء- هشام جعيط.. خمسون عجافا مما تعدون
المشاء- هشام جعيط.. خمسون عجافا مما تعدون (الجزيرة)

 

هشام جعيط المؤرخ التونسي المسبوك الأسلوب، الشاك في كل شيء عدا الوثيقة التاريخية، التي لا تنجو أيضا من تساؤله الذي لا يتوقف، جعيط الذي لم تعصمه صرامة المنهج وتعدد المداخل من زلل النتائج، وإشكالات الانتماء.

هشام جعيط بلا شك مؤرخ متميز، ينتمي لجيل الأسئلة الكثيرة، وفتنة المناهج الحديثة، وسأتجاوز الحديث عن المستشرقين ومناهجهم وما يتصل بتلك المساحة والمسميات من تهم بمعاداة الإسلام والطعن في نبيه عليه الصلاة والسلام، لقد كان جيل الأسئلة ذاك ساعيا للشك لا لبناء اليقين بل لنقض المسلمات وبناء مسلمات أخرى، يتأسس بها عصر جديد يحمل شيئا مختلفا لواقع الأمة، وسواء نظروا لتلك الأمة على أنها أمة دينية كما فعل جعيط أو أنها ليست كذلك كما في كتابات آخرين، فإن المنهج تشابه، وإن اختلفت النتائج.

إنه جيل طه حسين ورصفائه، ممن درسوا بفرنسا وجامعات الغرب، ورحلوا، واليوم يرحل أحد أواخرهم هشام جعيط الذي غادرنا لعالم اليقين مطلع هذا الشهر، وكأن عامي 2020 و2021 بقائمة وفياتهما، قد اختتمتا عصرا، وافتتحت عصرا جديدا.

ابن الأسرة البرجوازية الزيتونية التقليدية، وخريج الصادقية، صارم اللغة والأسلوب ومتعدد المداخل، يحدثك عن العرب في عصر النبوة ونبلهم وطبيعة أخلاقهم وسجاياهم، بمدخل أنثربولوجي واجتماعي ونفسي، لا تملك إلا الإعجاب به، وينطلق في تحليلاته للعهد الراشدي، ويسمح لنفسه بتحليلات قد تفاجئ القارئ، وقد لا ترضيه، وقد يخرج بعبارات غير مريحة في حديثه، لكن تحليله عقلاني، ويستحق الرد والحوار الهادئ والمنطقي..

 

 

بل إن جعيط المؤرخ يمضي لما هو أبعد، فلا يتردد في الزعم أن القرآن قد زيد فيه، فلم تتسع مناهجه لفحص اللغة ومقاصد النص الداخلية وتفاعلاته الخارجية، سيما وأنه في تاريخية الدعوة المحمدية في مكة قد نسف الوثائق والنصوص لصالح نص قديم أيضا، مروي عن عروة بن الزبير مكتوبا، فاكتفى به وبالقرآن الكريم، وبما وافق رواية عروة بن الزبير وحسب..

ولأضرب نموذجا على رد ممكن على فرضية زيادة آية، إذ يدعي جعيط زيادة آية (وأمرهم شورى بينهم) مزيدة لا يحتملها سياق الدعوة المكية، لكن لنضع بإزاء ذلك فرضية أخرى، وهي أن الحقبة التي ينص جعيط نفسه على نزول سورة الشورى فيها، هي تلك الحقبة التي هاجر الصحابة فيها إلى الحبشة، فكأن الآية كانت إرشادا لهم لآلية العمل الجماعي في حال غياب شخصه صلى الله عليه وسلم، فلم لا يكون الأمر كذلك؟ ولم لا يتسع منهج جعيط لهذه الفرضيات والمقاصد؟

 

 

وبينما يسلم بتأسس الأمة على كتاب مقدس وميتاتاريخ (ما وراء التاريخ)، إلا انه لا يضع ما وراء التاريخ بما فيه من قيم وأفكار وغيبيات في الحسبان، مع إمكان الفحص التاريخي للوثائق والأسانيد المتعلقة بذلك، وكل ذلك ممكن لو اتسع منهج المؤرخ له.. أو أراد توسيعه.

ولأضرب نموذجا على مؤرخ سمح بنسبة من تقبل الغيبي في تحليله، فقد أضرب حسين مؤنس في كتابه تاريخ قريش عن ذكر المعجزات وخوارق العادات وبدايات الوحي إلى الحبيب عليه الصلاة والتسليم، لكنه في الوقت ذاته، وجد أمامه رواية أكل الأرضة للوثيقة الظالمة، وذلك أثناء الجدال القرشي لرفع الحصار، فتقبلها، معتبرا أن التاريخي الديني يتقبل مثل هذه الروايات ويحتملها.

رحل جعيط، وبرحيله، ورحيل أبناء جيله فإن عصرا كاملا قد انقضى، ممهدا لعصر جديد برؤى أخرى جديدة، آمل أن يتمكن جيلنا وما يتلوه من إحداث قفزة نوعية فيها، تجمع بين المنهج الصارم وتنوع المداخل وسداد الوجهة.